جاءنا الآن
الرئيسية » هو و هي » دعاء فؤاد تسطر: نرجس بنت إبليس..الأمومة المسروقة

دعاء فؤاد تسطر: نرجس بنت إبليس..الأمومة المسروقة

دعاء فؤاد

ليست كل الجرائم تولد من نية شر خالصة، فبعضها ينشأ في مناطق رمادية بين الألم والضغط النفسي والقسوة الاجتماعية. ومن هنا تأتي قوة مسلسل “حكاية نرجس” المستوحى من واحدة من أغرب وأقسى القصص الحقيقية التي شغلت الرأي العام لسنوات طويلة.

إنها قصة المرأة المعروفة إعلاميًا باسم “عزيزة بنت إبليس، تلك السيدة التي لم تكتف بخطف طفل واحد، بل تورطت في سرقة أكثر من طفل. لكن القصة التي هزت المجتمع بقوة، والتي أعادت اسمها إلى الواجهة، كانت حكاية ذلك الشاب الذي اكتشف بعد أكثر من أربعين عامًا أن المرأة التي عاش معها عمرًا كاملًا ليست أمه الحقيقية.

في ظاهر الأمر تبدو القصة جريمة خطف طفل، لكنها في عمقها تكشف شبكة معقدة من الضغوط النفسية والاجتماعية التي قد تدفع الإنسان إلى حافة الهاوية. فالمرأة التي تحاصر بعقمها في مجتمعاتنا كثيرا ما تتحول إلى متهمة دائمة، وكأن الأمومة هي المعيار الوحيد لقيمتها داخل الأسرة.

لكن الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها أن الضغوط لم تأت فقط من أسرة الزوج كما يحدث كثيرًا في مثل هذه الحالات، بل إن والدة نرجس نفسها كانت جزءًا من هذا الدمار النفسي.

دعاء فؤاد تسطر: نرجس بنت إبليس..الأمومة المسروقة

فالأم التي يفترض أن تكون مصدر الأمان والاحتواء، تحولت في حياة ابنتها إلى مصدر قسوة، تعايرها وتذكرها بعيوبها باستمرار. وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاما: كيف يمكن لمن يفترض أن يكون الحضن الأول للإنسان أن يتحول إلى أحد أسباب انكساره؟

هذه البيئة القاسية، التي اجتمع فيها ضغط المجتمع مع قسوة الأسرة، صنعت داخل نرجس شعورًا عميقًا بالنقص واليأس. لكن المسلسل يطرح سؤالًا مهمًا

هل يمكن أن يفسر الألم الجريمة؟ أم أن هناك خطًا أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه مهما كانت الضغوط؟

والحقيقة أن الخوف الأكبر هنا ليس فقط من الجريمة نفسها، بل من تعاطف المشاهدين مع مرتكبتها.

فالفنانة ريهام عبد الغفور تمتلك ملامح إنسانية بريئة وقدرة تمثيلية عالية تجعل المشاهد يتعاطف مع الشخصية بسهولة. لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا فالسيدة التي عرفت بلقب “عزيزة بنت إبليس” لم تكن تحمل تلك الملامح الوديعة، بل كانت ملامحها القاسية تثير الغضب لدى كل من يعرف قصتها، وتجعل الناس ينتظرون لحظة تحقيق العدالة

اعرف أكثر

دعاء فؤاد تسطر: الخروج من العلاقة التوكسيك

دعاء فؤاد تسطر: الانفصال..حين نزلزل أبناءنا دون أن ندرى

دعاء فؤاد تسطر: الرؤية..القانون الذي فجر قيمة الأب..متى تعديله؟

ولهذا يصبح التحدي الحقيقي أمام العمل الدرامي هو ألا يتحول التعاطف مع الألم إلى تبرير للجريمة. فالقصة لا تتوقف عند خطف طفل فقط، بل تمتد إلى جانب أكثر ظلمة؛ إذ تكشف الأحداث أن نرجس لم تكن مجرد سارقة لطفل بل ساهمت أيضا في وفاة والدة زوجها حين امتنعت عن إعطائها الدواء بدافع الكراهية الشديدة لها، بعد سنوات من الأذى النفسي الذي تعرضت له منها.

وهنا يضعنا المسلسل أمام صورة شديدة التعقيد: إنسان مجروح تحول تدريجيًا إلى مصدر للأذى نفسه الذي عانى منه.

ويحسب للعمل اختياره لبطلة بحجم ريهام عبد الغفور التي تؤكد مرة أخرى أنها واحدة من أهم ممثلات جيلها. فهي تنتمي إلى مدرسة تمثيلية تعتمد على الصدق والبساطة، وملامحها الطبيعية البعيدة عن المبالغة في عمليات التجميل تمنح وجهها قدرة استثنائية على التعبير الصادق عن الألم والصراع الداخلي للشخصية.

دعاء فؤاد تسطر: نرجس بنت إبليس..الأمومة المسروقة

ويشاركها البطولة نخبة من النجوم الذين أضافوا ثقلًا واضحًا للعمل، منهم حمزة العيلي وسماح أنور وعارفة عبد الرسول، في توليفة تمثيلية دعمت قوة الحكاية الإنسانية. كما جاء السيناريو الذي كتبه عمار صبري محاولا معالجة القضية بحساسية درامية، بينما قدم المخرج سامح علاء رؤية إخراجية حافظت على التوازن بين الواقعية والتشويق.

فالأعمال الدرامية المستوحاة من قصص حقيقية دائمًا ما تواجه تحديًا كبيرًا؛ فهي قد تحقق نجاحًا كبيرًا عندما تصنع بوعي واحترام لتعقيدات الواقع، لكنها قد تتحول بسهولة إلى عمل سطحي إذا غاب عنها العمق الإنساني والرؤية الفنية الواضحة.

وفي “حكاية نرجس” تبدو المحاولة واضحة لتقديم قصة لا تكتفي بإدانة الجريمة، بل تحاول أيضا فهم جذورها الاجتماعية والنفسية.

لكن تبقى الحقيقة الأهم التي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا:

قد يصنع المجتمع الجرح… لكنه لا يملك أن يبرر الجريمة.

فهناك فارق كبير بين فهم الأسباب وتبرير الأفعال. وبين التعاطف مع الألم وتبرئة الخطأ. وبين إنسان يحتاج إلى الاحتواء… وإنسان قرر أن يؤذي الآخرين ليخفي ألمه.

ولهذا ربما تكون الرسالة الأهم التي تتركها هذه الحكاية لنا هي أن قسوة المجتمع قد تصنع مآسي كثيرة، لكن العدالة تظل ضرورة… حتى لا تتحول الضحية يومًا إلى جلاد.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *