
في الماضي، كان بائع الجرائد المتجول يجوب الشوارع بصوته المألوف وهو ينادي على أخبار الحوادث والفضائح وأخبار المشاهير “إقرا الحادثة”.
كان صوته يلفت الانتباه إلى خبر هنا أو حادثة هناك، فيدفع الفضول بعض الناس إلى شراء الجريدة لمعرفة التفاصيل. كانت الأخبار تصل إلينا بجرعات محدودة، وكان الإنسان يملك رفاهية الاختيار بين أن يقرأ أو أن يتجاهل.
أما اليوم، مع سعار السوشيال ميديا، فلم نعد بحاجة إلى من ينادي علينا أو يلفت انتباهنا إلى ما يحدث. فبمجرد ضغطة زر وفتح إحدى منصات التواصل الاجتماعي، نجد أنفسنا أمام عالم كامل يقتحم عقولنا دون استئذان. أخبار الجرائم، والفضائح، والمشاجرات، والانفصالات، والمحتويات الصادمة، تتزاحم جميعها على شاشة صغيرة نحملها في أيدينا طوال الوقت.

هنا جريمة قتل، وهناك فضيحة تتصدر المشهد، وفي زاوية أخرى فتاة يتم القبض عليها بتهمة خدش الحياء، وبين هذا وذاك فنانون ومؤثرون يطلون علينا يومياً بمظاهر وسلوكيات لا تتوافق في كثير من الأحيان مع طبيعة مجتمعاتنا الشرقية ولا مع عاداتنا وتقاليدنا. أصبح كل شيء معروضاً ومتاحاً ومكرراً إلى درجة جعلت الاستثناء يبدو وكأنه القاعدة.
وفي زمن السوشيال ميديا، لم يعد الإنسان بحاجة إلى الدخول في مشاحنات وصراعات مباشرة حتى يرهق جهازه العصبي أو تتأثر حالته النفسية. فكمية المحتوى التي يتعرض لها يومياً كفيلة بأن تستنزف طاقته الذهنية ومشاعره دون أن يشعر. فالعين ترى، والعقل يخزن، والنفس تتأثر، حتى وإن ظن الإنسان أنه مجرد متابع عابر لا يعنيه ما يشاهده.
ومن منظور علم النفس، فإن العقل البشري لم يخلق ليستقبل هذا السيل الجارف من المعلومات والصور والأحداث المأساوية خلال ساعات قليلة. فالتعرض المستمر للأخبار الصادمة والمشاهد المثيرة للجدل يضع الدماغ في حالة تأهب دائم، وكأنه يعيش وسط خطر لا ينتهي.
طالع مقالات الكاتبة
دعاء فؤاد تسطر: مقال ممنوع على الرجال الأسوياء..للتوكسيك فقط!
دعاء فؤاد تسطر: في عصر الفيمنست..هل هناك “تماثل تام” بين الرجل والمرأة؟
دعاء فؤاد تسطر: بداية جديدة..كيف تطهر نفسك في عيد الأضحى؟
ومع مرور الوقت قد يؤدي ذلك إلى القلق المزمن والإرهاق الذهني والتبلد العاطفي، حيث يفقد الإنسان قدرته الطبيعية على التأثر بالأحداث بسبب كثرة ما يراه ويسمعه.
والأخطر من ذلك أن التكرار المستمر لبعض السلوكيات والأفكار يجعل العقل أكثر قابلية لتقبلها والتعايش معها، حتى وإن كانت في البداية مرفوضة أو غريبة عن منظومته الأخلاقية والثقافية. فالعقل الإنساني يتأثر بما يتعرض له باستمرار، وما يراه كل يوم يتحول تدريجياً إلى جزء من صورته عن الواقع.
ولهذا فإن أخطر ما في وسائل التواصل الحديثة أنها لا تنقل الأخبار فقط، بل تشكل الأفكار وتعيد صياغة القيم وتؤثر في طريقة نظر الإنسان إلى نفسه وإلى مجتمعه. فمع التكرار المستمر قد يصبح الشاذ مألوفاً، وقد تتلاشى الحدود بين الحقيقة والزيف، وبين ما ينبغي رفضه وما يتم الترويج له باعتباره أمراً عادياً وطبيعياً.
اعرف أكثر
منصور يحاول التخلص من توروب لفتح ملف خليفته للتغطية على الغضب الجماهيري لخسارة الشحات
لقد أدركت الدول والمؤسسات الكبرى منذ سنوات أن السيطرة على العقول أكثر فاعلية وأقل تكلفة من المواجهات العسكرية المباشرة. فلم تعد الحروب الحديثة تعتمد دائماً على الدبابات والطائرات والصواريخ، بل ظهرت معارك جديدة تستهدف الوعي نفسه. فالدولة التي تستطيع التأثير في أفكار الناس وقناعاتهم وسلوكياتهم قد تحقق من خلال الشاشات ما لا تستطيع تحقيقه عبر ساحات القتال.
ولا يعني ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي شر مطلق، فقد أتاحت للإنسان فرصاً غير مسبوقة للتعلم والتواصل والوصول إلى المعرفة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإنسان من مستخدم لهذه الوسائل إلى مستهلك دائم لكل ما يعرض عليه دون وعي أو انتقاء أو تفكير نقدي. عندها يصبح عقله ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يزرع فكرة أو يروج لقيمة أو يصنع رأياً عاماً.
فلم يعد التحدي الحقيقي في عصرنا هو الوصول إلى المعلومة، بل القدرة على حماية العقل من فيضان المعلومات. فالعقول لا تحتل دائماً بالقوة، ولا تهزم دائماً بالسلاح، بل قد تستنزف وتعاد برمجتها بالتكرار والتأثير البطيء والمستمر.
اعرف أكثر
أول رد فعل للنيابة الإدارية ضد مسؤول التعليم بالقليوبية الذي ساوم ولية أمر تلميذة على نفسها
وبينما كان بائع الجرائد قديماً ينادي في الشارع ليبيع خبراً واحداً، أصبحت هواتفنا اليوم تحمل إلينا آلاف الأخبار والرسائل والصور كل يوم، بعضها يثري الفكر، وكثير منها يستهلكه. لذلك يبقى الوعي هو الحصن الأخير، والعقل الناقد هو خط الدفاع الأول في معركة لم تعد تدور على الأرض، بل داخل العقول نفسها. فحين يغتال الوعي، لا يعود الإنسان بحاجة إلى قيود تكبل يديه، لأن القيود تكون قد وضعت بالفعل حول فكره وإدراكه دون أن يشعر.
