عصام فقيرى
كنتُ أظن أن الدموع قد هجرتني إلى غير رجعة، وأن بيني وبين البكاء عهدًا انقضى منذ زمن لا أذكر أوله، ولا أستطيع أن أستعيد آخر مرة بلَّلت فيها عيناي وجهي. تعاقبت عليَّ الأفراح والأتراح، مرت بي الفواجع والمسرات، فما لان لي جفن، ولا ارتجف دمع، حتى حسبت أن القلب قد تعلّم الصبر إلى حدِّ اليباس.
لكن الليلة… انهزم ذلك القلب.
لم أبكِ لأن الأرجنتين خسرت، فالهزائم في كرة القدم صفحة تُطوى، ولا لأن كأس العالم أفلت من يد ميسي، فالكؤوس تُرفع ثم تُنسى، ويأتي بعدها ألف كأس. لقد بكيت حين رأيت ليونيل ميسي يبكي.
اعرف أكثر
كانت دموعه أكبر من مباراة، وأثقل من بطولة، وأعمق من خسارة. كانت دموع رجلٍ أدرك أن التاريخ قد أغلق بابًا لن يُفتح مرة أخرى، وأن الستار قد أُسدل على فصلٍ لن تكتبه الأيام من جديد.

بكيت لأنني لم أكن أشاهد لاعبًا يغادر ملعبًا، بل كنت أشاهد عصرًا يغادر الأرض. كنت أرى عبقرية كرة القدم وهي تخلع تاجها، وعبقرية الجمال وهي تطوي آخر صفحاتها، وكأن المستطيل الأخضر يودّع آخر أنبياء الإبداع فيه.
منذ سنوات طويلة، كان ميسي أكثر من مجرد لاعب. كان البرهان الحي على أن الجمال يمكن أن ينتصر على القسوة، وأن العبقرية تستطيع أن تهزم الضجيج، وأن القدم الواحدة قد تكتب من الشعر ما تعجز عنه دواوين كاملة. كان كل لمسة منه قصيدة، وكل مراوغة لوحة، وكل تمريرة حكمة، وكل هدف توقيعًا جديدًا على سجل الخالدين.
اعرف أكثر
فلما رأيته يبكي، شعرت أن كرة القدم نفسها قد تيتمت. وأن الملاعب، وإن امتلأت بعده بالنجوم، ستظل تبحث عن ذلك الضوء الذي كان ينساب من قدميه فلا تجده. فليس كل من يلعب الكرة يصنع الفن، وليس كل من يحرز الأهداف يكتب التاريخ.

نعم بكيت، حين رأيت انقضاء آخر الحجج التي ظلَّت كرة القدم تقدِّمها دفاعًا عن نفسها، وآخر البراهين على أن المستديرة ليست رياضةً تُمارس بالأقدام، بل فنٌّ يُبدع بالروح، وأن العبقرية لا تزال قادرةً على أن تتجسد في إنسانٍ يمشي بين الناس.
نعم بكيت، لأنني رأيت الزمن ينتصر للمرة الأولى على من كان يهزمه في كل مباراة. رأيت العمر يضع يده على كتف الأسطورة الخالدة، ويقول لها في هدوء: لقد آن أوان الرحيل.
اعرف أكثر
وما أقسى رحيل العظماء؛ فإنهم لا يأخذون أسماءهم معهم فحسب، بل يأخذون جزءًا من أعمارنا، وقطعة من ذاكرتنا، ومرحلة كاملة كنا نظن أنها خالدة.

لذلك لم تكن دموعي الليلة من أجل نتيجة، ولا من أجل كأس، ولا من أجل منتخب. كانت دموعي رثاءً لعصرٍ كامل، وحدادًا على انصرام التاريخ، وتأبينًا لعبقريةٍ لن تتكرر إلا إذا شاء الله أن يهب كرة القدم معجزة أخرى.
سلامًا أيها القدِّيس… يا من جعلت الكرة صلاةً للجمال، والموهبة لغةً لا تحتاج إلى ترجمان. إن غادرت الملاعب، فلن تغادر القلوب، وإن أسدل الزمان ستاره على رحلتك، فلن يستطيع أن يسدل الستار على خلودك.
فريق تصحيف السوشيال ميديا بالوكالة رصدنا هذه المادة من حساب المذكور، في منصة فيس بوك
