
في السنوات الأخيرة، أصبح مصطلح “الفيمنست” أو النسوية من أكثر المصطلحات انتشارا على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى تحوّل أحيانًا من فكرة تدافع عن حقوق المرأة إلى سلاح يستخدم في إثارة الصراع بين الرجل والمرأة.
وبينما خرجت النسوية في بداياتها للمطالبة بحقوق عادلة ومنصفة للنساء في التعليم والعمل والحماية من الظلم، ظهرت تيارات متطرفة أعادت تقديم الفكرة بصورة تقوم على تحقير دور الرجل، ورفض فكرة الأسرة، وتصوير العلاقة بين الجنسين وكأنها معركة دائمة لا يمكن أن تنتهي إلا بإقصاء أحد الطرفين.
الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا لم يحتاج إلى شعارات صاخبة ليمنح المرأة قيمتها الإنسانية، بل أقر مبدأ المساواة الروحية بين الرجل والمرأة، فجعل ميزان التفاضل الحقيقي هو التقوى والعمل الصالح، لا النوع أو الشكل أو المكانة الاجتماعية. فالمرأة في الإسلام ليست تابعا أو كائنا هامشيًا، بل شريك كامل في الإنسانية والتكليف والكرامة.
كما منح الإسلام المرأة أهلية مالية مستقلة، فلها الحق في التملك والبيع والشراء والتصرف في مالها دون وصاية من أحد، وهو أمر لم تعرفه بعض المجتمعات الغربية إلا بعد قرون طويلة. كذلك أكد الإسلام على حقوق المرأة داخل الأسرة، فأوجب لها المهر والنفقة، وحث على حسن معاملتها، ورفض كافة أشكال الظلم أو الإهانة أو العنف ضدها.
لكن المشكلة اليوم ليست في الدفاع عن المرأة أو المطالبة بحقوقها، بل في تحويل بعض الخطابات النسوية إلى دعوات صريحة لهدم فكرة التكامل بين الرجل والمرأة. فبدلا من بناء مجتمع متوازن يقوم على التعاون والرحمة، أصبح البعض يروج لفكرة أن الرجل خصم دائم، وأن نجاح المرأة لا يتحقق إلا بإلغاء دور الرجل أو التقليل من قيمته داخل الأسرة والمجتمع.
ومن الأخطاء التي تروج لها بعض هذه التيارات محاولة إقناع المرأة بأن وجود الرجل في حياتها لا قيمة له، وأن الاستقلال يعني الاستغناء الكامل عنه عاطفيا وأسريا وإنسانيًا، بينما الحقيقة أن العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة تقوم على الاحتواء والدعم والتكامل النفسي قبل أي شيء آخر.
والرجل بالنسبة للمرأة ليس مجرد مصدر إنفاق أو وجود شكلي داخل الأسرة، بل قد يكون السند وقت الضعف، والأمان وقت الخوف، والشريك الذي يشاركها أعباء الحياة ومسؤولياتها وأحلامها. كما أن المرأة أيضًا تمثل للرجل الطمأنينة والاحتواء والاستقرار.
لذلك فإن التقليل من قيمة أحد الطرفين لا يصنع إمرأة قوية ولا رجلًا أفضل، بل يصنع مجتمعات مفككة وعلاقات مشوهة تفتقد المعنى الحقيقي للمودة والرحمة التي تقوم عليها الحياة الإنسانية.
إن الإسلام لم يقر “التماثل التام” بين الرجل والمرأة في كل التفاصيل، وإنما أقر مبدأ “التكامل”، فلكل طرف طبيعته ودوره ومسؤولياته التي تحقق التوازن داخل الحياة الإنسانية. فالاختلاف لا يعني الانتقاص، كما أن التكامل لا يعني الهيمنة أو الاستبداد من أي طرف.
والمؤسف أن بعض المحتويات المنتشرة على السوشيال ميديا أصبحت تزرع الكراهية بين الجنسين، وتسخر من الزواج والأسرة والاستقرار العاطفي، حتى باتت العلاقات الإنسانية تقدم بصورة مشوهة مليئة بالصراع والندية المرضية، وكأن الاحترام المتبادل ضعف، أو كأن وجود الرجل في حياة المرأة انتقاص من استقلالها.
إن المجتمعات لا تبنى بالصدام بين الرجل والمرأة، بل بالتفاهم والرحمة والتعاون. والرجل الحقيقي لا ينتقص من المرأة، والمرأة الواعية لا ترى في الرجل عدوًا يجب تحطيمه. فالعلاقة السوية لا تقوم على السيطرة، بل على الود والاحترام وتحمل المسؤولية المشتركة.
فالمرأة ليست بحاجة إلى أفكار تدفعها لكراهية الرجل حتى تشعر بقيمتها، كما أن الرجل ليس بحاجة إلى التقليل من المرأة ليؤكد رجولته. فحين تتحول الحرية إلى فوضى، وتتحول المطالبة بالحقوق إلى دعوات لهدم الأسرة وإشعال الصراع بين الجنسين، يصبح المجتمع كله هو الخاسر الأكبر.
سيظل التوازن هو الحل، وستظل الأسرة القائمة على الرحمة والاحترام هي الحصن الحقيقي لأي مجتمع سليم.
