جاءنا الآن
الرئيسية » التحليل اللحظي » دعاء فؤاد تسطر: عندما أصبحت الحياة الخاصة سلعة لدولارات المشاهدات

دعاء فؤاد تسطر: عندما أصبحت الحياة الخاصة سلعة لدولارات المشاهدات

دعاء فؤاد

منذ سنوات ليست بالبعيدة، كانت مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل الصور والذكريات، لكنها تحولت تدريجيًا إلى مسرح مفتوح يعرض فيه البعض أدق تفاصيل حياتهم اليومية أمام ملايين المتابعين.

ولم تعد مشاركة المناسبات السعيدة أو اللحظات الاستثنائية هي السائدة، بل أصبحنا نشاهد بعض المؤثرين أو “الإنفلونسرز” يوثقون يومهم بالكامل، بداية من لحظة الاستيقاظ من النوم، مرورًا بوجبات الطعام، والخلافات الأسرية، والهدايا، والرحلات، وحتى لحظة إطفاء الأنوار استعدادًا للنوم.

ولم يعد الأمر يقتصر على الشخص نفسه، بل امتد ليشمل الزوج أو الزوجة والأبناء، فأصبحت الحياة الخاصة مادة يومية تعرض على الجمهور، وكأنها مسلسل مستمر ينتظر الجميع حلقته الجديدة.

اعرف أكثر

بعد واقعة الناشئ مكاري يونان: هل يواجه وزير الرياضة أزمة العنصرية الدينية في الوسط الكروى؟

وسط توقعات بفشله: مخطط نظام آبي أحمد لتوريط العرقيات الأثيوبية في أجنداته الإقليمية والدولية بدعوى الحوار الوطنى

والغريب أن من يرفض هذا الأسلوب أو يفضل الاحتفاظ بخصوصية بيته أصبح في نظر البعض شخصًا “رجعيًا” لا يواكب العصر، وكأن احترام الخصوصية أصبح تهمة تستوجب الدفاع عنها.

لقد كانت العلاقات الزوجية في الماضي تُبنى بعيدًا عن أعين الناس، تحكمها العادات والتقاليد وقيم الاحترام، ولم يكن أحد يعرف تفاصيل البيوت إلا أصحابها.

عندما أصبحت الحياة الخاصة سلعة للمشاهدات

وحتى حياة المشاهير كانت يحيط بها قدر كبير من الخصوصية؛ فلم يكن الجمهور يعلم عدد زيجات الفنان أو تفاصيل طلاقه أو خلافاته الأسرية إلا إذا تسرب الخبر إلى الصحافة أو تحدث عنه أفراد أسرته بعد سنوات.

أما اليوم، فقد تغير المشهد تمامًا. لم يعد كثير من الفنانين ولاعبي الكرة والشخصيات العامة يكتفون بعرض أعمالهم أو إنجازاتهم، بل أصبحت حياتهم الشخصية جزءًا من المحتوى الذي يقدمونه للجمهور.

اعرف أكثر

ما بعد صندوق النقد: الحكومة ترسم ملامح الاقتصاد المصري الجديد بأوامر رئاسية

وأصبح البعض يعتقد أن زيادة المشاهدات تتطلب الكشف عن كل شيء، حتى وإن كان ذلك يعرضه وأسرته للانتقاد أو السخرية أو التدخل في أدق تفاصيل حياتهم.

ومن يختار أن يجعل حياته الخاصة حديثًا دائمًا على ألسنة الناس، عليه أن يدرك أن الجمهور ليس كتلة واحدة. فبين المتابعين من يتمنى له الخير، لكن بينهم أيضًا الحاقد، والحاسد، وصاحب التعليقات الجارحة، ومن يصدر أحكامًا قاسية بناءً على دقائق معدودة يشاهدها على شاشة هاتفه، دون أن يعرف الحقيقة كاملة.

وعندما تتحول الأسرة إلى محتوى، تتحول كذلك إلى هدف دائم للنقد والمقارنة والسخرية، وربما التنمر.

عندما أصبحت الحياة الخاصة سلعة للمشاهدات

والأخطر من ذلك أن بعض المؤثرين أصبحوا يتعاملون مع المشاعر الإنسانية باعتبارها وسيلة لتحقيق الانتشار. فنشاهد قصص الحب والهدايا والمفاجآت الرومانسية وكأنها مشاهد من فيلم سينمائي، بينما لا يعلم أحد ما يحدث خلف الكاميرا. فليس كل ما يُعرض حقيقيًا، وليس كل ابتسامة تعني السعادة، ولا كل كلمة حب تعكس واقع العلاقة.

ولعل من أشهر الأمثلة التي كشفت زيف هذه الصورة، تلك الواقعة التي شهدتها إحدى الدول الأوروبية، عندما كان زوجان من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي يقدمان نفسيهما باعتبارهما نموذجًا مثاليًا للحب والاستقرار، حتى أصبح كثير من الشباب يتمنون أن يعيشوا علاقة مشابهة.

طالع مقالات أخري للكاتبة

دعاء فؤاد تسطر : من يدافع عن عمرو الدجوي؟

دعاء فؤاد تسطر : طفل أشمون يفتح الملف الأسود لعمالة الأطفال

دعاء فؤاد تسطر: صرخة إلى وزير التعليم .. لا تجعلوا أبناء المدارس الدولية جيلًا ناقمًا على مصر

لكن الصدمة كانت عندما عُثر على الزوجة مقتولة في ظروف غامضة، لتكشف التحقيقات أن الزوج، الذي كان يتغنى بحبه لها أمام ملايين المتابعين، هو المتهم بقتلها، كما تبين من شهادات الجيران والمقربين أنه كان دائم الاعتداء عليها، وأن مقاطع الحب التي كان ينشرها لم تكن سوى مشاهد معدة بعناية لجذب المشاهدات وتحقيق الأرباح.

هذه الحادثة، وغيرها من الوقائع المشابهة، تؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تعكس دائمًا الحقيقة، وأن ما نراه على الشاشات قد يكون مجرد صورة مصنوعة بعناية، بينما يختلف الواقع تمامًا خلف الأبواب المغلقة.

عندما أصبحت الحياة الخاصة سلعة للمشاهدات

إن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور يصفق له، ولا إلى كاميرا توثق كل لحظة. ومن يحب بصدق لا يتاجر بمشاعره، ولا يجعلها وسيلة لتحقيق الشهرة أو زيادة عدد المتابعين، بل يحافظ عليها ويصونها لأنها تخصه وتخص شريك حياته وحدهما.

فالعلاقة الزوجية علاقة مقدسة، تقوم على المودة والرحمة والاحترام والثقة، وليست مادة ترفيهية تُعرض يوميًا أمام آلاف أو ملايين الغرباء. والخصوصية ليست تخلفًا كما يحاول البعض أن يصورها، بل هي احترام للنفس وللأسرة ولقدسية البيت.

وربما حان الوقت لنعيد النظر في مفهوم النجاح على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن ندرك أن قيمتنا الحقيقية لا تقاس بعدد المشاهدات، وأن أجمل العلاقات ليست تلك التي يراها الجميع، بل تلك التي تعيش في هدوء، بعيدًا عن ضجيج الكاميرات وأحكام الغرباء. فهناك أشياء كلما بقيت بعيدة عن الأعين، ازدادت جمالًا وصدقًا، وفي مقدمتها الحب والأسرة والحياة الخاصة.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *