
في التاريخ السياسي الحديث كثيراً ما لجأ القادة الذين يواجهون أزمات داخلية خانقة إلى تصدير أزماتهم نحو الخارج عبر خلق حالة حرب أو تهديد وجودي يعيد ترتيب الأولويات الوطنية ويؤجل حسابات الداخل.
هذه الظاهرة التي يُطلق عليها في أدبيات العلوم السياسية الهروب إلى الأمام عبر الحرب تبدو اليوم حاضرة بقوة في المشهد الإسرائيلي حيث يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام واحدة من أخطر لحظات مستقبله السياسي.
فالرجل الذي يواجه أزمة شرعية سياسية ومحاكمات بتهم فساد وتآكل الثقة الشعبية عقب الإخفاقات الأمنية والعسكرية يدرك أن أي انتخابات مبكرة قد تفتح الباب أمام نهاية حقبته الطويلة في الحكم وربما انتقاله من موقع صانع القرار إلى قفص الاتهام السياسي والقضائي.
من هنا يطرح سؤال جوهري هل يمكن أن تصبح إيران خشبة الخلاص الأخيرة لنتنياهو؟
الحرب وسيلة لتعليق الحساب الداخلي
عدد من المعلقين والصحفيين الإسرائيليين حذروا من أن نتنياهو قد يكون مستعداً للمضي نحو مواجهة واسعة مع إيران إذا رأى في ذلك فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي.
الصحفي الإسرائيلي بن كسبيت كتب في أكثر من مناسبة أن نتنياهو يضع بقاءه السياسي فوق كل اعتبار وأن قراراته الأمنية والعسكرية كثيراً ما تتقاطع مع حساباته الشخصية، محذراً من أن الخلط بين الأمن القومي والمصلحة السياسية يشكل خطراً على عملية اتخاذ القرار.
كما يرى الصحفي والمحلل الإسرائيلي ناحوم برنياع أن نتنياهو بارع في توظيف الأزمات الكبرى لصناعة واقع سياسي جديد وأن الحروب تمنحه مساحة لتأجيل المحاسبة الداخلية وإعادة إنتاج صورة القائد الذي لا بديل عنه.
أما الصحفي الإسرائيلي رافيف دروكر فقد ذهب أبعد من ذلك عندما أشار إلى أن الخشية الحقيقية داخل إسرائيل ليست فقط من قرار الحرب بل من أن تصبح اعتبارات البقاء الشخصي جزءاً من الحسابات الاستراتيجية المتعلقة بقرار استخدام القوة العسكرية.
معادلة البقاء أو الانهيار
من منظور استراتيجي يدرك نتنياهو أن فتح مواجهة مع إيران لا يعني مجرد عملية عسكرية محدودة بل انتقال المنطقة إلى مرحلة إعادة هندسة التوازنات الجيوسياسية.
وفي ظل حالة الطوارئ والحرب تتراجع أصوات المعارضة وتتجمد المطالب بإجراء انتخابات ويتحول النقاش من سؤال من يتحمل المسؤولية إلى سؤال كيف ننتصر.
هذا النموذج عرفته أنظمة عديدة عبر التاريخ حيث استخدمت نظرية الالتفاف حول العلم التي تؤدي غالباً إلى ارتفاع مؤقت في شعبية القادة خلال فترات الصراع الخارجي.
لكن المفارقة أن ما قد يمنح نتنياهو فرصة للبقاء السياسي قد يحمل في الوقت ذاته أخطاراً وجودية على إسرائيل فالمواجهة مع إيران ليست حرباً على حدود بعيدة بل صراع متعدد الساحات يشمل الصواريخ بعيدة المدى وحروب الوكلاء وتعطيل الاقتصاد وتهديد البنية التحتية الحيوية.
الحرب بديلاً عن الانتخابات
لا يمكن الجزم بأن نتنياهو سيقرر الحرب مع إيران فقط من أجل إنقاذ مستقبله السياسي فقرار الحرب تحكمه حسابات أمنية وعسكرية واستخبارية معقدة.
لكن المؤكد أن تلاقي المصلحة الشخصية للقائد مع قرار استراتيجي مصيري يثير سؤالاً أخلاقياً ودستورياً خطيراً داخل إسرائيل هل يدار الأمن القومي وفقاً لمقتضيات الدولة أم وفقاً لمقتضيات بقاء الحاكم.
إن أخطر ما في لحظة نتنياهو الحالية ليس فقط احتمال اندلاع حرب إقليمية بل أن تتحول صناديق الاقتراع التي يخشاها إلى ساحات قتال يختار توقيتها بنفسه. عندها لن تكون الحرب مجرد معركة مع إيران بل معركة على مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي نفسه.
