وحدة الحزام والطريق
قال المستشار أحمد سلام, الخبير في الشؤون الصينية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إن العلاقات المصرية الصينية دخلت مرحلة جديدة عنوانها الرئيسي هو “التصنيع ونقل التكنولوجيا”، بعد 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 30 مايو 1956.
وأوضح سلام، في تصريحات خاصة لـ “وكالة الأنباء المصرية| إندكس”، أن الشراكة انتقلت من التعاون السياسي والتجاري التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل الاستثمار الصناعي والطاقة والنقل والتعليم والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن الصين أصبحت اليوم أكبر شريك تجاري لمصر، فيما تحولت مصر إلى محور رئيسي لمبادرة “الحزام والطريق” وبوابة الصين للأسواق العربية والإفريقية والأوروبية.
اعرف أكثر
مصر تتجه لإسناد تطوير “الجفيرة” بالساحل الشمالي لمستثمر إماراتي بقيمة 135 مليار جنيه
ولفت الخبير المصري إلى أن أبرز ملامح المرحلة الحالية يتمثل في التوسع داخل المنطقة الصناعية الصينية “تيدا” بقناة السويس، والاستفادة من قرار الصين بمنح إعفاء جمركي كامل للصادرات المصرية اعتباراً من 1 مايو 2026، والذي وصفه بـ “الفرصة التاريخية” لمضاعفة الصادرات وجذب استثمارات تستهدف التصنيع داخل مصر للتصدير.
وأكد سلام أن أولويات المرحلة المقبلة تركز على توطين صناعات السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب بناء الكفاءات البشرية عبر برامج التدريب الصينية الجديدة، مع الحفاظ على سياسة مصر الخارجية المتوازنة التي تقوم على تنويع الشركاء دون الانحياز لطرف على حساب آخر.

وإلى نص الحوار
** كيف تقيمون مستوى العلاقات المصرية الصينية في المرحلة الحالية؟ وما أبرز ملامح الشراكة الاستراتيجية بين البلدين؟
– تشهد العلاقات المصرية الصينية في الوقت الراهن واحدة من أكثر مراحلها تطورًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 30 مايو 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية. وخلال سبعين عامًا، انتقلت العلاقات من مرحلة التعاون السياسي والدبلوماسي إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل الاقتصاد والاستثمار والصناعة والطاقة والنقل والتعليم والعلوم والتكنولوجيا.
وقد شكل إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الصين في ديسمبر 2014 نقطة تحول رئيسية في العلاقات الثنائية، ثم جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في يناير 2016 لتدفع التعاون إلى مرحلة التنفيذ العملي في عدد كبير من المشروعات الاستراتيجية.
واليوم أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لمصر، وتعد مصر شريكًا محوريًا للصين في الشرق الأوسط وإفريقيا، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا باعتبارها محورًا رئيسيًا لمبادرة الحزام والطريق، وبوابة للأسواق العربية والإفريقية والأوروبية.
وقد تجاوز التعاون الاقتصادي مفهوم التبادل التجاري إلى بناء قواعد صناعية مشتركة، خاصة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث أصبحت المنطقة الصينية “تيدا” نموذجًا للتعاون الصناعي بين البلدين، مع توسع الاستثمارات في مجالات البنية التحتية، والمنسوجات، والمعدات الهندسية، والأجهزة الكهربائية، والصناعات الجديدة.
كما شهد التعاون توسعًا ملحوظًا في مجالات النقل، من خلال تنفيذ مشروعات السكك الحديدية والقطار الكهربائي، والطاقة التقليدية والمتجددة، والاتصالات، والاقتصاد الرقمي، والتعليم العالي، والتعليم الفني، إلى جانب تنامي التعاون في مجالات الفضاء، والبحث العلمي، والرعاية الصحية.

ومن التطورات المهمة التي تفتح آفاقًا جديدة أمام العلاقات الاقتصادية، قرار الصين الذي بدأ تطبيقه في 1 مايو 2026 بمنح صادرات الدول الإفريقية التي تقيم علاقات دبلوماسية معها – ومن بينها مصر – إعفاءً جمركيًا كاملاً، وهو ما يوفر فرصة غير مسبوقة أمام الصادرات المصرية لدخول السوق الصينية بتكلفة أقل وقدرة تنافسية أكبر. وتمثل هذه المبادرة تحولًا من مجرد تشجيع التجارة إلى دعم التصدير في الدول الإفريقية.
وبالنسبة لمصر، فإن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن فقط في الإعفاء الجمركي، وإنما في تحويلها إلى زيادة فعلية في الصادرات الصناعية والزراعية والغذائية، وجذب استثمارات صينية جديدة تستهدف التصنيع داخل مصر بغرض التصدير إلى السوق الصينية وغيرها من الاسواق، وهو ما يتطلب رفع القدرة الإنتاجية، والالتزام بالمواصفات الفنية، وتعزيز الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد.
ولا يقتصر التعاون بين البلدين على الجوانب الاقتصادية، بل يشمل تنسيقًا سياسيًا مستمرًا في القضايا الإقليمية والدولية، انطلاقًا من مبادئ احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم التنمية، وتعزيز دور دول الجنوب في الاقتصاد العالمي، وهي ثوابت أسهمت في ترسيخ الثقة المتبادلة واستقرار العلاقات طوال العقود الماضية.
**ما أبرز الإنجازات التي حققتها الشراكة المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة؟ وما أبرز التحديات التي ما زالت قائمة؟
– الحقيقة المؤكدة هي أن الشراكة المصرية الصينية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا نوعيًا، حيث انتقل التعاون من التركيز على التبادل التجاري إلى الاستثمار والإنتاج والتصنيع المشترك ، وأبرز نموذج لهذا التحول هو المنطقة الصناعية الصينية “تيدا”، التي تضم عشرات الشركات العاملة في قطاعات متنوعة، وأسهمت في توفير آلاف فرص العمل وتعزيز الصادرات الصناعية.

اعرف أكثر
كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ عدد من المشروعات القومية الكبرى، من بينها مشروعات بالعاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي الخفيف، ومحطات الكهرباء، والطاقة المتجددة، وقطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وهو ما يعكس تنوع مجالات التعاون بين البلدين.
واذا ماتحدثنا عن أحد أوجه التعاون وليكن مجال التعليم، نجد أن هناك توسع وتعاون كبير من خلال أقسام اللغة الصينية بالجامعات المصرية، ومعاهد كونفوشيوس، وبرامج التبادل الأكاديمي، إلى جانب إنشاء ورش لوبان التي تمثل نموذجًا متقدمًا للتعليم الفني القائم على نقل الخبرة الصينية وربط التدريب باحتياجات الصناعة، بما يسهم في إعداد كوادر مؤهلة لسوق العمل.
ورغم هذا التقدم، فإن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز بصورة أكبر على نقل التكنولوجيا، وزيادة نسبة المكون المحلي في الصناعات المشتركة، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، ودعم الشركات المصرية للدخول في سلاسل الإنتاج العالمية، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
ويظل تعزيز الصادرات المصرية إلى السوق الصينية أحد أهم التحديات والفرص في الوقت نفسه. فالإعفاء الجمركي الكامل الذي بدأ تطبيقه اعتبارًا من مايو 2026 يمنح المنتجات المصرية ميزة تنافسية مهمة، لكن الاستفادة الحقيقية منه تتطلب زيادة الإنتاج القابل للتصدير، والالتزام بالمواصفات الفنية الصينية، وتطوير منظومة التسويق والخدمات اللوجستية.

** في رأيكم ما أولويات التعاون المصري الصيني خلال المرحلة المقبلة؟
– تشير التطورات الاقتصادية العالمية إلى أن المرحلة المقبلة من العلاقات المصرية الصينية ستعتمد بصورة أكبر على التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع عالي القيمة، بما يتوافق مع رؤية مصر 2030 وخطط الصين للتعاون مع الدول النامية.
وتبرز في مقدمة الأولويات مجالات السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة الجديدة والمتجددة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والتصنيع الذكي، وهي قطاعات تمتلك فيها الصين خبرات عالمية، وتسعى مصر إلى توطينها لتعزيز قدراتها الصناعية وزيادة صادراتها.
كما تمثل مبادرة الإعفاء الجمركي الكامل فرصة استراتيجية لمضاعفة الصادرات المصرية إلى الصين، خاصة في المنتجات الزراعية، والصناعات الغذائية، والمنسوجات، والمنتجات الكيماوية والهندسية. إلا أن الاستفادة من هذه المبادرة تتطلب خطة وطنية لزيادة تنافسية المنتج المصري، ورفع معدلات التصنيع، وتأهيل الشركات المصدرة لتلبية اشتراطات السوق الصينية.

ومن المبادرات المهمة أيضًا ما أعلنه الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي في يوليو 2026، بشأن تنفيذ برنامج لتوفير خمسة آلاف فرصة تدريب وورشة عمل في مجال الذكاء الاصطناعي للدول النامية خلال السنوات المقبلة. وتمثل هذه المبادرة فرصة مهمة لمصر لتأهيل المهندسين والباحثين وطلاب الجامعات، ودعم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث والشركات الصينية في مجالات الابتكار والتطبيقات الصناعية.
بوجه عام، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على نقل المعرفة وبناء الكفاءات البشرية، لأن نجاح الشراكة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات، وإنما أيضًا بقدرتها على توطين التكنولوجيا، وخلق فرص عمل نوعية، وزيادة مساهمة الصناعة المصرية في سلاسل القيمة العالمية.
** كيف تنظرون إلى اتباع مصر سياسة خارجية متوازنة في ظل المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين، وما يتردد عن ضغوط أمريكية بسبب تنامي التعاون المصري الصيني؟
– مصر دولة محورية وكبيرة وهناك ثوابت للدبلوماسية المصرية في إدارة علاقاتها الخارجية حيث تقوم السياسة الخارجية المصرية منذ عقود على مبدأ تنويع الشراكات الدولية،وهو مبدأ لم يظهر مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، ويقوم النهج المصري على توسيع مجالات التعاون مع مختلف القوى الدولية بما يخدم المصالح الوطنية، دون الدخول في سياسة المحاور أو الانحياز لطرف على حساب آخر.

اعرف أكثر
ومن هذا المنطلق، فإن العلاقات المتنامية مع الصين لا تأتي بديلاً عن العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة أو غيرها، وإنما تمثل امتدادًا لسياسة مصر في تنويع شركائها الاقتصاديين والاستثماريين والتكنولوجيين. فالولايات المتحدة لا تزال شريكًا مهمًا لمصر في مجالات متعددة، كما ترتبط القاهرة بعلاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي والدول العربية والإفريقية، وفي الوقت نفسه تشهد الشراكة مع الصين تطورًا ملحوظًا في مجالات الاستثمار، والصناعة، والبنية التحتية، والطاقة، والتكنولوجيا.
وفي ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، أصبحت معظم الدول، بما فيها الدول الحليفة لواشنطن، تتبنى سياسة تنويع الشركاء الاقتصاديين وعدم الاعتماد على سوق أو دولة واحدة، وهو توجه تفرضه اعتبارات الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد ومتطلبات التنمية.
وبالنسبة لمصر، فإن معيار التعاون مع أي دولة يرتبط بمدى مساهمة هذا التعاون في تحقيق أهداف التنمية الوطنية، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتعزيز القدرة الصناعية، ووفقاً لرؤية مصر 2030 وليس باعتبارات المنافسة بين القوى الكبرى.
ولا شك أن المنافسة الأمريكية الصينية أصبحت أحد أبرز ملامح النظام الدولي، وقد تنعكس في بعض الأحيان على مواقف الدول المختلفة، إلا أن الخبرة المصرية في إدارة علاقاتها الخارجية أثبتت قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الشركاء، انطلاقًا من استقلالية القرار الوطني واحترام المصالح المتبادلة.
وفي هذا السياق، فإن التعاون المصري الصيني يتركز أساسًا في المجالات التنموية والاقتصادية، مثل الاستثمار والتصنيع والبنية الأساسية والتكنولوجيا والتعليم، وهي مجالات تستجيب لأولويات التنمية في مصر، ولا تتعارض مع استمرار التعاون مع الولايات المتحدة أو غيرها من الشركاء الدوليين.
ومن ثم، فإن مستقبل العلاقات المصرية الصينية لا ينبغي النظر إليه من زاوية التنافس بين القوى الكبرى، وإنما من زاوية ما يحققه هذا التعاون من قيمة مضافة للاقتصاد المصري، وقدرته على دعم أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للاستثمار والتصنيع والخدمات اللوجستية.

** تتردد تكهنات بشأن زيارة صينية رفيعة المستوى إلى القاهرة خلال الفترة المقبلة لتطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. ما معلوماتكم في هذا الشأن؟
– حتى الآن، لم يصدر أي إعلان رسمي من الجانب المصري أو الصيني بشأن تحديد موعد أو الترتيبات الخاصة بأي زيارة رفيعة المستوى، ومن ثم لا يمكن التعامل مع ما يتم تداوله في بعض وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي باعتباره معلومات مؤكدة.
وتعلمت خلال فترة عملي كدبلوماسي وكأعلامي، أنه لابد للحديث عن مثل هذه الأمور أن يكون تم الإعلان عن مثل هذه الزيارات من خلال القنوات الرسمية بعد استكمال الترتيبات بين الجانبين، ولذلك فإن أي حديث عن مواعيد أو برامج أو نتائج متوقعة قبل صدور إعلان رسمي يظل في إطار التكهنات.
اعرف أكثر
د. ضياء الدين حلمى يسطر: رؤية خاصة في فلسفة للتعاون بين مصر والصين
ومع ذلك، فإن قراءة مسار العلاقات المصرية الصينية تشير إلى أن الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات كانت دائمًا محطات رئيسية في تطوير العلاقات الثنائية، سواء من خلال الإعلان عن مبادرات جديدة أو توقيع اتفاقيات أو متابعة تنفيذ المشروعات الاستراتيجية، وهو ما يجعل استمرار هذا المستوى من التواصل السياسي أمرًا طبيعيًا في ضوء متانة الشراكة القائمة بين البلدين.
وأنه إذا ما أُعلن رسميًا عن زيارة رفيعة المستوى في المستقبل، فمن الطبيعي أن تتناول ملفات ذات أولوية، مثل تعزيز الاستثمارات، وتوطين الصناعات المتقدمة، وزيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية، والاستفادة من المبادرات الصينية الجديدة، وفي مقدمتها الإعفاء الجمركي الكامل، وبرامج بناء القدرات في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن تبادل وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك.
وفي تقديري، فإن الأهم من توقيت أي زيارة هو كيف يمكن لمصر أن تستفيد وما يمكن أن تسفر عنه الزيارة من نتائج عملية تدفع الشراكة المصرية الصينية إلى مرحلة أكثر تركيزًا على نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات البشرية، والتصنيع من أجل التصدير، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين.
** برأيكم وبوصفكم خبير بالشئون الصينية ما الخطوات التي ينبغي أن تتخذها مصر لتعظيم استفادتها من الشراكة الاستراتيجية مع الصين خلال المرحلة المقبلة؟
– أعتقد أن العلاقات المصرية الصينية أصبحت تمتلك من النضج والزخم ما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن المراحل السابقة، لكن تحقيق أقصى استفادة منها يتطلب الانتقال من التركيز على حجم التعاون إلى التركيز على جودة التعاون وأثره الاقتصادي والتكنولوجي.
وأرى أن هناك عدة أولويات يمكن أن تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري.

أولًا: مضاعفة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية.
إن قرار الصين منح إعفاءات جمركية كاملة للصادرات القادمة من الدول الإفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية، ومن بينها مصر، يمثل فرصة تاريخية ينبغي استغلالها بصورة سريعة. لكن نجاح هذه المبادرة لن يتحقق بالإعفاء الجمركي وحده، بل يتطلب إعداد قائمة بالمنتجات المصرية القادرة على المنافسة في السوق الصينية من الجهات المعنية في مصر، اضافة الي العمل علي تطوير الجودة، والالتزام بالمواصفات الفنية، ومساندة الشركات المصرية في عمليات التسويق والنفاذ إلى هذا السوق الضخم.
ثانيًا: التركيز على توطين التكنولوجيا وليس جذب الاستثمارات فقط.
فالمرحلة المقبلة ينبغي أن تستهدف جذب الصناعات الصينية المتقدمة في مجالات السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة الجديدة، والإلكترونيات، والذكاء الاصطناعي، مع زيادة نسبة المكون المحلي، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، بما يسهم في بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
ثالثًا: الاستثمار في بناء الإنسان.
وأعتبر أن المبادرة التي أعلنها الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي في يوليو 2026، والخاصة بتوفير خمسة آلاف فرصة تدريب وورشة عمل للدول النامية في مجال الذكاء الاصطناعي، تمثل فرصة مهمة لمصر.
ويمكن للجامعات ومراكز البحوث والوزارات المعنية العمل مع الجانب الصيني لضمان استفادة أكبر عدد ممكن من الكفاءات المصرية من هذه البرامج، بما يدعم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي ويعزز بناء كوادر قادرة على قيادة الاقتصاد الرقمي.

رابعًا: الاستفادة من التجربة الصينية في التعليم الفني وربطه بالصناعة.
لقد أثبتت ورش لوبان نجاحها في إعداد كوادر فنية وفقًا للمعايير الصناعية الحديثة، ويمكن البناء على هذه التجربة بالتوسع في مجالات جديدة تتوافق مع احتياجات الصناعة المصرية، خاصة في القطاعات التكنولوجية المتقدمة.
خامسًا: تشجيع الشراكات بين القطاع الخاص في البلدين.
فاستدامة التعاون لا تعتمد فقط على الاتفاقيات الحكومية، وإنما أيضًا على إقامة شراكات مباشرة بين الشركات، وربط المشروعات الصغيرة والمتوسطة المصرية بسلاسل الإمداد والتوريد الصينية، بما يسهم في زيادة الإنتاج والتصدير وخلق فرص عمل.
وفي تقديري، فإن نجاح الشراكة المصرية الصينية خلال السنوات المقبلة لن يُقاس فقط بقيمة الاستثمارات أو حجم التجارة، وإنما بمدى مساهمتها في نقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر المصرية، وزيادة الصادرات، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية. فهذه هي المؤشرات التي تعكس الأثر الحقيقي لأي شراكة استراتيجية على الاقتصاد والتنمية.
الكاتب، عضو المجلس المصري للشئون الخارجية
المستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
وكيل الوزارة السابق بالهيئة العامة للاستعلامات
