جاءنا الآن
الرئيسية » القناة و البودكاست » تغطيات » عقائد ومعتقدات » دعاء فؤاد تسطر: بداية جديدة..كيف تطهر نفسك في عيد الأضحى؟

دعاء فؤاد تسطر: بداية جديدة..كيف تطهر نفسك في عيد الأضحى؟

دعاء فؤاد

عيد الأضحى يأتى محملا بالنفحات الإيمانية العظيمة، أيامه لا تشبه أي أيام أخرى، فهو ليس مجرد عيد تذبح فيه الأضاحي وترتدى فيه الثياب الجديدة، بل موسم تتطهر فيه الأرواح قبل الأجساد، وتعود فيه القلوب إلى الله أكثر قربا وخشوعا وسلاما.

ويأتي هذا العيد المبارك في أيام عظيمة أقسم الله بها في كتابه الكريم، أيام العشر من ذي الحجة، تلك الأيام التي تفتح فيها أبواب الرحمة، وتتضاعف فيها الحسنات، ويرتفع فيها الدعاء إلى السماء محمّلًا بالأمل واليقين.

إنها أيام يتسابق فيها المؤمنون إلى الطاعات، بالصلاة والذكر والصدقة وصلة الرحم، وكأنها فرصة ربانية جديدة ليراجع الإنسان نفسه ويعيد ترتيب قلبه من الداخل.

وفي قلب هذه الأيام المباركة، يقف الحج شامخا كأعظم مشهد للوحدة الإنسانية والإيمان الخالص، حيث تتجرد الأرواح من كل مظاهر الدنيا، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين منصب ومكانة، الجميع يرتدون لباسا واحدا، ويرفعون نداء واحدا “لبيك اللهم لبيك”.

الحج ليس رحلة سفر، بل رحلة تطهير، يتعلم فيها الإنسان معنى الصبر، والتواضع، والتسامح، والرجوع إلى الله بقلب نقي. وهناك، وسط الزحام والدعوات والدموع، يدرك الإنسان أن الحياة أقصر من أن تهدر في الكراهية والخصام.

ومن الأمور المؤسفة والغريبة في زماننا، أن يعود بعض الناس من رحلة الحج تلك الرحلة التي يفترض أن تطهر القلب وتعيد الإنسان إلى الله بروح جديدة ثم لا يتغير شيء في أخلاقهم أو أفعالهم، فيعودون سريعا إلى الذنوب والخصومات وكأن الرحلة كانت مجرد طقس عابر لا أثر له في النفس. فالحج الحقيقي لا يقاس بعدد الصور ولا بلقب “الحاج”، بل بما يتركه في القلب من خشوع، وفي السلوك من استقامة ورحمة.

والأغرب من ذلك أن يتحول الحج عند البعض إلى مادة للاستعراض على مواقع التواصل الاجتماعي، فينشغل الإنسان بتوثيق كل لحظة ونشر تفاصيل رحلته أكثر من انشغاله بالعبادة ذاتها، وكأن الغاية أصبحت لفت الأنظار لا صفاء الروح. فرحلة الحج علاقة خاصة بين العبد وربه، تبنى على الإخلاص والتجرد والتواضع، لا على انتظار الإعجابات والتعليقات. وليس الخطأ في الاحتفاظ بالذكريات، بل في أن تضيع روح العبادة وسط الرغبة في الظهور.

ومن هنا، يصبح عيد الأضحى دعوة صادقة للعفو والتسامح، لأن القلوب الثقيلة بالأحقاد لا تعرف الطمأنينة، ولأن التسامح راحة قبل أن يكون فضيلة. ما أجمل أن يدخل الإنسان العيد بقلب خفيف، متجاوزا الإساءة، متحررا من الرغبة في الانتقام، مؤمنا أن الله يرى كل شيء ويجبر كل خاطر.

لكن، وبرغم جمال العفو وسموه، فإن الله سبحانه وتعالى أرحم بعباده من أن يكلفهم ما لا يستطيعون. فليس كل جرح ينسى بسهولة، وليس كل إنسان يملك القدرة على تجاوز الألم سريعا. لذلك كان ميزان الإسلام عادلا ورحيما حين قال الله تعالى”لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”.

فإن استطعت أن تعفو فذلك مقام عظيم، وإن عجز قلبك عن المسامحة الآن فلا ترهق نفسك بالشعور بالذنب، يكفي ألا تتحول الجراح داخلك إلى ظلم أو أذى أو قسوة. فبعض القلوب تحتاج وقتا حتى تهدأ، والله وحده يعلم حجم ما تخفيه النفوس من ألم.

ويبقى عيد الأضحى رسالة إيمانية عميقة تذكّرنا بأن أعظم ما يمكن أن يربحه الإنسان ليس المال ولا المظاهر، بل قلب سليم، وروح مطمئنة، وعلاقة صادقة مع الله. فاجعل هذا العيد بداية جديدة، اقترب فيها من ربك، واحتضن من يحبونك، واترك لله ما أثقال قلبك، فهو وحده القادر على أن ييدل الألم سلاما، والانكسار قوة، والدموع نورا يهدي الروح إلى الطمأنينة.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *