
حين تخطئ الصورة، يصبح السؤال الأهم: مَن منحها حق تمثيل التاريخ؟
ليس كل ما يُنتَج يستحق أن يُعرَض، وليس كل ما يُعرَض يستحق أن يحمل اسم مؤسسة كبيرة.
قد يخطئ فنان، وقد تخذل الفكرة صاحبها، وقد يأتي التنفيذ أقل من المتوقع. هذه طبيعة الإبداع. لكن ما يستحق التوقف أمامه هو أن يتحول عمل كان ينبغي أن يخضع للمراجعة إلى واجهة رسمية لمهرجان بحجم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
هنا لا تعود الحكاية مجرد بوستر لم يُعجِب الجمهور، ولا مجرد جدل حول استخدام الذكاء الاصطناعي؛ بل يصبح السؤال عن الذائقة التي اختارت، والعين التي راجعت، والعقل الذي اتخذ القرار النهائي.
اعرف أكثر
طلعات تجسس: على ارتفاع منخفض فوق جبل الدروز..ماذا تحضر إسرائيل لجنوب سوريا؟
شادية ليست وجهًا عابرًا في تاريخنا السينمائي، ولا اسمًا نستدعيه لاستثمار الحنين إلى الماضي. شادية ذاكرة كاملة، وملامح استقرت في وجدان أجيال، حتى إننا لا نحتاج إلى قراءة اسمها كي نتعرف إليها.
فحين تُستدعى شادية في بوستر رسمي، من المفترض أن يكون الاحتفاء بها واضحًا، وأن تحمل الصورة شيئًا من روحها وهويتها. أما حين يصبح وجهها نفسه موضع تساؤل، فهنا ينبغي أن نسأل: هل نجح التصميم في تكريمها، أم حوّل التكريم إلى أزمة؟
لسنا ضد التجديد، لكننا ضد أن نفقد الأصل ونحن نزعم أننا نعيد اكتشافه.
ولا يتعلق الأمر بشادية وحدها؛ فحين تظهر رموز أخرى من تاريخ السينما بملامح مطموسة أو يصعب التعرف إليها، يصبح السؤال عن جدوى هذا الحضور مشروعًا. فالتراث ليس أسماء نضعها في الخلفية لنعلن أننا نحتفي به، بل قيمة تحتاج إلى عين تعرف كيف تُنصِفها.
اعرف أكثر
كلمة ونص من عمرو محسوب النبي: مهرجان في حب هاني شاكر
أما الذكاء الاصطناعي، فليس هو المتهم الوحيد، ولا يصح أن نجعله شماعة نعلق عليها كل إخفاق. فالتقنية أداة قد تمنح الفن إمكانات جديدة، لكنها لا تمنح صاحبها تلقائيًا رؤية أو ذائقة أو قدرة على الاختيار.
المشكلة ليست في أن الآلة تستطيع إنتاج صورة، بل في أن يقرر إنسان مسؤول أن هذه الصورة تستحق أن تمثل مؤسسة بحجم مهرجان القاهرة.

لسنا بصدد محاكمة مصمم أو التشكيك في نوايا أحد، بل مساءلة قرار رسمي. فالمصمم قد يخطئ، لكن المؤسسة يفترض أن تمتلك من الخبرة ما يجعلها تراجع العمل وتقيّمه قبل أن تقدمه إلى الجمهور باعتباره واجهتها.
ومهرجان القاهرة ليس فعالية عابرة؛ إنه يحمل اسم مدينة وتاريخ صناعة سينمائية كانت مصر في قلبها العربي. ومن يملك هذا الإرث لا يكفيه أن يستدعي رموزه، بل عليه أن يعرف كيف يقدمها بما يليق بها.
اعرف أكثر
هل ينقذه أم يورطه؟: البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي..ماذا يحضر مدبولي لمنتدى مصر 2026؟
فالتاريخ العظيم لا تحميه الشعارات، بل تحميه جودة القرارات.
والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا ليس: من رسم شادية بهذه الصورة؟ بل: من اختارها؟ ومن وافق عليها؟ وبأي معايير أصبحت واجهة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي؟
فالخطأ قد يبدأ عند التنفيذ، لكنه لا يصبح قرارًا رسميًا إلا حين يمر من بوابة الموافقة.
والسؤال الذي يستحق إجابة ليس مَن أخفق في رسم شادية، بل من رأى الصورة، وامتلك سلطة اعتمادها، وقرر أنها تليق بتاريخ السينما المصرية.
وسأستكمل معكم في الجزء الثاني بإذن الله:
هل يملك مهرجان القاهرة رؤيته الخاصة، أم يكتفي بالاستناد إلى ما تقرره المهرجانات الأخرى؟
الكاتبة الصحفية | مدير وحدة الثقافة والفنون بمؤسسة بصيرة
