بعدما قلبت العالم رأسا على عقب، نقدم تحليل شامل لوثيقة التحالفات الجيوسياسية المنسوبة لـ “مؤسسة فريدريش إيبرت” والتى عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر شبه مغلق بتل أبيب.
أولاً: تفنيد الخريطة – ماذا تقول الوثيقة حرفياً؟
تُظهر الخريطة نفس المحتوى تحت عنوان “التحالفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط”. الخريطة لا ترسم حدوداً سياسية معترفاً بها، بل ترسم خرائط نفوذ وظيفي، وتقسم المنطقة إلى 4 ألوان رئيسية وإطارين:
اعرف أكثر
إندكس تكشف حقيقة التهديد الحوثي بضرب مطار القاهرة ومحطة الضبعة والسد العالي لو حمت مصر السعودية
1. الأزرق الداكن والفاتح “المكونة لهوية إسرائيل” – تحالف إسرائيل والإمارات السداسي:
الأزرق الغامق هو النواة الصلبة: إسرائيل، الإمارات، اليونان، قبرص، والهند. محور بحري-تكنولوجي-أمني يمتد من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي.
الأزرق الفاتح هو الحزام الوظيفي له: إثيوبيا، قوات الدعم السريع في السودان، أرض الصومال، صوماليلاند، أرض البنط، رواندا. كلها كيانات وظيفية تخدم التحالف دون عضوية رسمية.

2. الأخضر الغامق والفاتح – ما سُمي بـ “تحالف الماسة السنية”:
الأخضر الغامق: تركيا، مصر، السعودية، باكستان. أربع دول سنية ثقيلة، متنافسة تاريخياً، تُوضع في سلة واحدة بتسمية استفزازية متعمدة.
الأخضر الفاتح: الأطراف المحسوبة عليها: سوريا الجديدة، الأردن، ليبيا (حكومة طرابلس – الاستقرار الوطني)، السودان (الجيش).
اعرف أكثر
3. البنفسجي/العنابي – إيران ومحور المقاومة:
البنفسجي الغامق: إيران وأذربيجان.
البنفسجي الفاتح والمخطط: العراق (ميليشيات الحشد الشعبي)، لبنان (حزب الله)، اليمن (الحوثيون)، فلسطين (السلطة/غزة/حماس)، مع إشارات لميليشيات متفرقة.
4. الإطاران البرتقالي والأصفر – الضامن الأمريكي:
البرتقالي: دول حلف الناتو وحلفاء أمريكا الرئيسيين من خارج الناتو.
الأصفر: دول تعتبرها أمريكا صديقة.

هذه هي البنية الحرفية للخريطة. لكن خطورتها ليست فيما تُظهره، بل فيما تُخفيه وما تُبرزه.
ثانياً: القراءة النقدية – فلسفة ما بعد الدولة الوطنية
الخريطة الأخطر لأنها لا تتعامل مع دول، بل مع فصائل.
1.إلغاء السيادة: ليبيا مقسمة إلى “حكومة موحدة” و “حكومة استقرار وطني”، السودان مقسم بين “جيش” و”دعم سريع”، اليمن بين “شرعي وحوثي”، العراق بين “دولة وحشد”، الصومال بين “مقديشو وأرض الصومال”. الرسالة: الدولة المركزية فشلت، والتعامل مع من يسيطر على الأرض فعلياً.
اعرف أكثر
2.منطق المحاور لا الجغرافيا: هذا ليس تحليلاً أكاديمياً، بل وثيقة نوايا أمنية. وضع مصر والسعودية وتركيا في خانة واحدة رغم عضوية تركيا في الناتو، هو نزع لصفة الحليف عنها وتصنيفها كخصم محتمل يجب احتواؤه.
ثالثاً: الإسقاطات الاستراتيجية – الأسئلة المسكوت عنها
أ- دول مؤثرة يتجاهلها:
أين الجزائر؟ أين المغرب؟ أين عُمان وقطر والكويت؟ تجاهل الجزائر كقوة عسكرية إقليمية ترفض التطبيع، وتجاهل المغرب، وتجاهل سلطنة عمان كوسيط إقليمي، ليس سهواً. هو إسقاط متعمد للدول التي ترفض منطق المحاور أو تلعب دوراً متوازناً لا يمكن تصنيفه.

ب- أقاليم انفصالية وميليشيات يبرزها:
لماذا تبرز الخريطة “أرض الصومال” و”قوات الدعم السريع” و”المجلس الانتقالي الجنوبي” و”ميليشيات الحشد” ككيانات مساوية للدول؟ لأن المشروع يقوم على *تثبيت الميليشيا كفاعل شرعي* بديل للدولة. كلما تفتتت الدولة، سهل التحكم في ممراتها (الذهب في السودان، باب المندب في اليمن، القرن الإفريقي).
ج- تساؤل المغرب – الغياب المقصود:
المغرب شريك في اتفاقات أبراهام، ولديه علاقات أمنية متقدمة مع إسرائيل، وله دور محوري في غرب إفريقيا والساحل. غيابه عن التحالف الأزرق (تحالف إسرائيل-الإمارات) وضعه في المنطقة الرمادية. هل هو عقاب على تمسكه بمبادرة السلام العربية؟ أم رسالة بأن دوره الأفريقي يتعارض مع محور الإمارات-إثيوبيا؟ أم أن تصنيفه كجزء من “الماسة السنية” الضمنية سيحرج إسرائيل أمام فرنسا وإسبانيا؟ الغياب هنا له معنى سياسي أكبر من الحضور.
اعرف أكثر
د- مفارقة أذربيجان – الصديق المصنف كعدو:
أذربيجان هي الشريك النفطي والأمني الأوثق لإسرائيل، وتستضيف قواعد استخباراتية إسرائيلية على حدود إيران. فكيف توضع باللون البنفسجي الغامق مع إيران؟ هذا هو أخطر ما في الخريطة: إنها تكشف أن التصنيف ليس على أساس “من معنا” بل على أساس “من يجب أن يبقى مهدداً”. وضع أذربيجان مع إيران يبرر استمرار التوتر في القوقاز ويمنح إسرائيل ورقة ابتزاز لباكو وطهران معاً، ويقول لواشنطن: حتى حلفاؤنا يجب أن يبقوا في دائرة الخطر ليحتاجوننا.
رابعاً: رؤية الداخل الإسرائيلي والمعارضة – لماذا كُشفت الآن؟
كشف الخريطة في مؤتمر شبه مغلق وليس في الإعلام هو تكتيك مقصود، ويخدم محورين من وثيقة نتنياهو الأمنية-الانتخابية التي أشرت أن كثيراً منها تحقق:

1. المحور الداخلي – الانتخابي:
كما ذكرت، دعم ترامب المتواصل خلال الساعات الأخيرة، بموقف صريح كان بنداً في الخطة وتحقق. نتنياهو يقول لناخبه: “أنا لا أدير حرب غزة، أنا أدير إعادة رسم الإقليم”. المعارضة الإسرائيلية (لبيد، غانتس، آيزنكوت) ترى في هذه الخريطة خطراً وجودياً، لأنها:
– تستعدي تركيا العضو في الناتو.
– تستعدي مصر والسعودية اللتين يراهما الجيش الإسرائيلي عمقاً أمنياً لاتفاقيات كامب ديفيد وأبراهام.
– تفتت حلفاء أمريكا بدلاً من توحيدهم ضد إيران.
اعرف أكثر
إشادات دولية بإنتاجات خبرات الزراعة البيولوجية للدكتور هشام فريد في هولندا فهل ينتقل النجاح لمصر؟
2. المحور الأمني – وثيقة ما بعد الحرب:
محاور الوثيقة الأمنية لنتنياهو التي تسربت بداية الشهر كانت: 1- إطالة الحرب لتبرير إعادة التشكيل، 2- استدعاء الدعم الأمريكي الصريح (تحقق اليوم بتصريح ترامب)، 3- تقديم خريطة تحالفات جديدة تضع إسرائيل كـ “منسق إقليمي” للناتو في الشرق الأوسط. الخريطة هي البند رقم 3.
خامساً: كيف نتعامل معها؟
لا يجب التعامل معها كـ “تحليل لمؤسسة ألمانية”. مؤسسة فريدريش إيبرت قريبة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، واستخدامها غطاء أكاديمي يمنح الخريطة شرعية أوروبية. يجب التعامل معها كـوثيقة نوايا إسرائيلية بغطاء أوروبي.

الرد يجب أن يكون:
1. فضح منطق الميليشيا: وضع مصر والسعودية والجزائر موقفاً واحداً للدفاع عن مبدأ الدولة الوطنية.
2. تفكيك مصطلح “الماسة السنية”: مصر وتركيا والسعودية وباكستان ليست طائفة، بل دول وطنية لكل منها مشروعها. وضعها في سلة طائفية هو محاولة لضرب شرعيتها.
اعرف أكثر
3. الربط الزمني: كما كنت ترسل لي تحقق البنود، هذه الخريطة هي الدليل المادي على أننا أمام مشروع متكامل، ليس رد فعل على 7 أكتوبر، بل استغلال له لإعادة رسم المنطقة ككانتونات وظيفية.
نتنياهو لا يقدم شرق أوسط جديداً، بل يقدم شرق أوسط بدون دول. سوق مفتوح للفصائل والممرات والشركات الأمنية. وهذا هو جوهر ما يجب فضحه إعلامياً واستراتيجياً.
