وحدة الشئون الإسرائيلية
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد سئم من اللعبة الغريبة التي يلعبها معه فصيلان من النظام الإيراني: الفصيل المتشدد، بقيادة الحرس الثوري، والذي يستخدم أيضاً سلطة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي؛ والفصيل المعتدل، بقيادة الرئيس مسعود بازكشيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، واللذان يبدو أنهما يريدان مواصلة وقف إطلاق النار وفقاً لمذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان قبل بضعة أسابيع، وفق الاتهامات الإسرائيلية والأمريكية.
يبدو أن ترامب أدرك أن الجهة التي تُسيّر الأمور على أرض الواقع هي الفصيل المتطرف بقيادة الحرس الثوري. ويتجلى ذلك في الهجمات المتكررة التي شنّها الإيرانيون على ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز، وفي الهجمات المضادة التي شنّتها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ردًا على ذلك، ثم في الهجمات المتكررة التي شنّها الإيرانيون على القواعد الأمريكية في دول الخليج.
كما ذُكر، فقد سئم الرئيس الأمريكي من هذا التقليد . ويتضح ذلك جلياً ليس فقط مما يكتبه على وسائل التواصل الاجتماعي، بل أيضاً في مقابلة أجراها مع قناة “فوكس نيوز “.
ولهذا السبب قرر ترامب تحقيق هدفين في آن واحد: فهو يُلحق الضرر بالحرس الثوري وإيران عموماً بتجديد الحصار على الموانئ الإيرانية – ليس فقط موانئ الخليج العربي، بل أيضاً الموانئ الإيرانية على ساحل المحيط الهندي.

أما الهدف الثاني الذي يسعى ترامب لتحقيقه فهو إلحاق الضرر بدول الناتو والصين، اللتين رفضتا مساعدته في الضغط على إيران لفتح المضيق. ويفرض ترامب فعلياً نوعاً من ضريبة العبور بنسبة 20% على أي شحنة تُنقل عبر المضيق تحت غطاء جوي وبحري توفره القوات الأمريكية لضمان مرور السفن بأمان.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه الضريبة على العبور إلى رفع أسعار النفط في الصين ودول آسيوية أخرى وأوروبا. ويُفترض أن تكون بمثابة عقاب، إن صح التعبير، لهذه الدول لعدم تقديمها الدعم للولايات المتحدة.
إضافةً إلى ذلك، فإن فرض ضريبة على سفن الشحن وناقلات النفط التي ستعبر مضيق هرمز سيساعد الولايات المتحدة على تغطية التكاليف الباهظة التي ستتكبدها على الأرجح نتيجة الحاجة إلى توفير حماية وتأمين إضافيين للشحن التجاري في الممر الجنوبي، بالقرب من سواحل عُمان.
تمتلك الولايات المتحدة القدرة على توفير هذا الغطاء عبر قوتها البحرية والجوية في المنطقة، لكن التكاليف بدأت تُثقل كاهل الإدارة الأمريكية.

لذا، تسعى إلى تحميلها على مستهلكي النفط، الذين، كما ذُكر، لا يرغبون في تقديم المساعدة للولايات المتحدة، أو الضغط على إيران، أو المشاركة في تأمين مضيق هرمز كممر ملاحي دولي.
وبحسب المعلومات المتوفرة، أرسل الإيرانيون ممثلين عن الحرس الثوري، بينما أرسل الأمريكيون ضباطاً ودبلوماسيين ناقشوا، على ما يبدو حتى مساء أمس، ترتيبات المرحلة الانتقالية.
ووفقاً لشهادة ترامب، كاد الطرفان أن يتوصلا إلى اتفاق، لكن الإيرانيين طالبوا بتغييرات، فانفجرت المفاوضات. ونتيجة لذلك، شهدت الساعات الأربع والعشرون الماضية تصعيداً لا يزال مستمراً في الخليج.
ومن المحتمل أن يعود ممثلو الحرس الثوري، الذين يتفاوضون حاليًا بشكل مباشر مع الولايات المتحدة، إلى طاولة المفاوضات عقب خطوة ترامب، وحينها سنشهد تغييرًا آخر.

وفي الواقع، ما نشهده الآن هو حرب استنزاف لا تشارك فيها إسرائيل حاليًا، ولكنها تُشن وفق نمط يخدم مصالحها ويحول دون رفع العقوبات ووقف الضغط العسكري والسياسي الأمريكي على إيران.
المشكلة الوحيدة هي أن الإيرانيين يتصرفون مؤخرًا فيما يبدو أنه محاولة لإعادة تأهيل المنشآت النووية المتضررة، ويرفضون السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمراقبة ما يجري هناك.
ووفقًا لصور الأقمار الصناعية التي نُشرت، يبدو أن الإيرانيين لا يستأنفون حاليًا تخصيب اليورانيوم أو أي أنشطة أخرى في مجال إنتاج الأسلحة النووية، بل يكتفون بتحصين المنشآت النووية و”تعزيزها” لمنع المزيد من الضرر أو تقليل أضرار أي هجوم آخر، في حال شنّت الولايات المتحدة أو إسرائيل هجومًا عليهم مع تجدد القتال.

حرب الاستنزاف هذه هي في الواقع حرب تدور حول أمرين: السيطرة على مضيق هرمز، وصورة النصر التي يسعى كبار قادة الحرس الثوري إلى تحقيقها.
فمن جهة، يرغب الفصيل المتشدد داخل النظام الإيراني في الاحتفاظ بمضيق هرمز باعتباره رصيدًا اقتصاديًا لإيران، ورافعة استراتيجية لممارسة الضغط، ليس فقط على دول الخليج المنتجة للنفط، بل على الاقتصاد العالمي برمته.
ومن ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة ليست مستعدة للسماح لكبار قادة الحرس الثوري بالقول إلى أنهم انتصروا في الحرب: ليس فقط لأنهم لم يخسروها، ولكن لأنهم حصلوا على أصل اقتصادي مربح ونفوذ استراتيجي عالمي نتيجة للهجوم الذي كان يهدف، وفقًا للرئيس ترامب، إلى إخضاعهم.
