تحليل الطقس : محمد شبشة
مواسم الحرائق أكثر قسوة عاماً بعد آخر في أوروبا، لكن ما تشهده أوروبا الغربية وشبه الجزيرة الأيبيرية هذا الصيف يتجاوز كونه موسماً اعتيادياً للحرائق.
المنطقة تواجه أزمة مناخية مركبة امتزجت فيها موجات الحر القياسية بجفاف التربة والرياح الحارة، لتتحول آلاف الهكتارات من الغابات إلى وقود جاهز للاشتعال، في واحدة من أعقد الكوارث البيئية التي عرفتها القارة خلال العقود الأخيرة.
وتشير بيانات نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي (EFFIS) وخدمة “كوبرنيكوس” لمراقبة المناخ إلى أن شهر يونيو الماضي كان الأكثر حرارة في تاريخ أوروبا الغربية، بعدما تجاوز متوسط درجات الحرارة المعدلات الطبيعية بنحو 3.06 درجات مئوية.
ولم يكن هذا الرقم مجرد مؤشر مناخي، بل كان بداية سلسلة من التداعيات الميدانية.
إذ تزامنت الحرارة القياسية مع جفاف شديد للتربة بدأ منذ شهر مايو، بينما تحولت الأعشاب الكثيفة التي أنبتها ربيع رطب إلى مادة شديدة الاشتعال مع بداية الصيف.
ولم تعد الحرائق محصورة في دولة واحدة، بل امتدت على طول غرب القارة. ففي فرنسا اندلعت حرائق واسعة في الأقاليم الجنوبية وسط تحذيرات رسمية من استمرار موجة الحر وتفاقم مخاطر الجفاف.
بينما تواجه البرتغال مستويات تهديد توصف بأنها “مرتفعة جداً إلى قصوى”، مع استمرار الرياح الجافة في تغذية ألسنة اللهب.
وتعكس الأرقام حجم الأزمة؛ إذ سجلت منظومة EFFIS احتراق أكثر من 155 ألف هكتار داخل دول الاتحاد الأوروبي منذ بداية الموسم، ورصدت أكثر من 1050 حريقاً، أي أكثر من ضعف المتوسط التاريخي الذي يبلغ نحو 476 حريقاً سنوياً.
وهو ما يشير إلى اتساع رقعة الحرائق بوتيرة غير مسبوقة، حتى وإن بقيت المساحات المحترقة أقل من ذروة العام الماضي.
غير أن إسبانيا تبقى الحلقة الأكثر تضرراً في هذه الأزمة. فمنذ مطلع العام أتت النيران على نحو 50 ألف هكتار عبر أكثر من أربعة عشر حريقاً كبيراً، فيما تحولت منطقة الأندلس إلى مركز الكارثة بعد اندلاع الحريق الضخم في منطقة لوس غاياردوس بمحافظة ألميريا.
ويعد هذا الحريق الأعنف الذي تشهده المنطقة منذ أكثر من عشرين عاماً، بعدما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن اثني عشر شخصاً، بينهم أجانب.
بينما ظل العشرات في عداد المفقودين خلال الساعات الأولى من عمليات البحث. كما التهمت النيران أكثر من 6600 هكتار من الغابات والمناطق الجبلية، وامتدت إلى بلدات مجاورة مثل بيدار وسورباس، وسط ظروف ميدانية بالغة الصعوبة.
وتشير التحقيقات الأولية إلى أن سقوط خطوط كهرباء قد يكون الشرارة الأولى للحريق، إلا أن الرياح القوية، وانخفاض الرطوبة، ودرجات الحرارة التي قاربت أربعين درجة مئوية، كانت العوامل الحاسمة في تحويله إلى كارثة واسعة النطاق، بعدما أعاقت عمليات الإجلاء وأبطأت وصول فرق الإنقاذ.
وفي الوقت نفسه، لا تزال جبهات أخرى مشتعلة في شمال ووسط البلاد. ففي إقليم أراغون تواصل فرق الإطفاء مكافحة حرائق واسعة في سرقسطة وهويسكا، حيث أُجبر سكان بلدات كاملة على الإجلاء بعد أن أتى أحد الحرائق على نحو أربعة آلاف هكتار، بينما لا تزال بؤر نشطة تسجل في مقاطعات خاين وويلفا وقرطبة وليون.
وأمام اتساع رقعة الأزمة، أعلنت الحكومة الإسبانية أعلى درجات الاستنفار، فدفعت بمئات الجنود من وحدة الطوارئ العسكرية، وأكثر من ثلاثين طائرة ومروحية متخصصة، إلى جانب عشرات الفرق الفنية والطبية وصهاريج المياه.
كما لجأت مدريد إلى آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي، التي نشرت مئات رجال الإطفاء في عدة دول لدعم العمليات العابرة للحدود ومنع انتقال الحرائق إلى مناطق جديدة.
وتكشف هذه التطورات أن ما تواجهه أوروبا لم يعد مجرد سلسلة من الحرائق الموسمية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة القارة على التكيف مع واقع مناخي جديد، تتكرر فيه موجات الحر الشديد والجفاف بوتيرة متزايدة، بما يجعل مكافحة الحرائق جزءاً من معركة أوسع مع تغير المناخ، لا مجرد استجابة لكوارث عابرة.
