قطاع الصعيد /أحمد الفاروقي
في قريّة “الحرادنة” التابعة لمركز القوصية بمحافظة أسيوط، لم تكن تفاصيل الحكاية مجرد حبرٍ على ورق عقد زواج عرفي، بل كانت فصول مأساة عاشتها طفلة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، تحولت بين ليلة وضحاها من مقاعد الدراسة إلى قفص “مواقعة بغير رضاها” تحت غطاء أبويّ زائف. فصول هذه المأساة أسدلت عليها الدائرة السابعة بمحكمة جنايات أسيوط ستارها بحكم قضائي رادع زلزل أركان ديروط والقوصية.
“عقد صامت.. وهروب في عتمة الليل”
بدأت القصة في الخامس والعشرين من أغسطس الماضي، حين وجدت الطفلة “ميادة . ع . م” نفسها أمام واقع مرير. والداها منفصلان، وهي تقيم في كنف والدها “عبد الناصر . م . ع” (53 عاماً، فلاح). في ذلك اليوم، وبدلاً من أن يكون الأب حصناً لأمنها، قام بتزويجها رغماً عنها وزواجاً عرفياً من شاب يدعى “أحمد . م . س” (26 عاماً)، متذرعاً بظروف إجتماعية، ومستغلاً حداثة سنها وعدم بلوغها السن القانونية.
لم تحتمل الطفلة وطأة جدران بيت المتهم الأول، وفي لحظة شجاعة يائسة، تسللت في عتمة الليل هاربة، لتلوذ بمحل تصفيف شعر (كوافير) تملكه الشاهدة الأولى في القضية. روت الطفلة وعيناها تفيضان بالدموع مأساتها للمرأة التي إحتوتها، لكن المأساة لم تنتهِ هنا؛ إذ إقتحم الأب المحل، وبدلاً من إحتضان أبنته الخائفة، إنهال عليها بالضرب المبرح لإجبارها على العودة إلى بيت زوجها العرفي.
“التحريات تفك طلاسم الجريمة”
أمام إصرار الأب وصرخات الطفلة، تحركت الحماية المجتمعية، ووصل البلاغ إلى مأمور مركز شرطة القوصية. وعلى الفور، باشر النقيب محمود حمادة، معاون وحدة المباحث، تحرياته الدقيقة التي أكدت صحة الواقعة بكافة تفاصيلها المؤلمة: طفلة قاصر تُساق بغير رضاها لعلاقة لا تفقه عنها شيئاً، ووالد يبيع أمانته وصايته بعقد عرفي باطل.
أمام هذه الحقائق الدامغة، وبإشراف مباشر من المستشار أحمد فاروق حمدي، المحامي العام لنيابات شمال أسيوط الكلية، أُحيل المتهمان إلى محكمة الجنايات بتهمة شديدة اللامبالاة: “مواقعة طفلة بغير رضاها”.
“كلمة القضاء.. العدالة الناجزة”
داخل قاعة المحكمة بالدائرة السابعة، وبرئاسة المستشار طارق محمود وصفي، وعضوية المستشارين محمد أمين أبوسداح وطارق عثمان محمد، وبحضور أمانة سر سيد علي بكر وناصر فؤاد، استمعت المحكمة لشهادة الطفلة وبكت السطور في أوراق القضية.
وجاء حكم المحكمة كالصاعقة ليعيد الحق لأصحابه ويضع حداً للتلاعب بمصير الأطفال:
السجن المؤبد غيابياً للمتهم الأول الهارب “أحمد . م . س” لارتكابه جناية المواقعة رغماً عن إرادة المجني عليها وقصر سنها.
السجن المشدد لمدة 7 سنوات للأب “عبد الناصر . م . ع” الذي خان أمانة الأبوة وتحول إلى شريك في هتك عرض إبنته وتسهيل الجريمة.
تظل قضية “ميادة” صرخة دوت في ربوع الصعيد، وحكماً قضائياً يرسخ حقيقة واحدة: العقد العرفي لا يحمي المغتصبين، والطفولة خط أحمر لا يملكه حتى الآباء.
