جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » من المرج الجديدة إلى سقف الطموح: حين يصبح عدم السقوط في المجاري إنجازاً وسر الزفاف المظلم

من المرج الجديدة إلى سقف الطموح: حين يصبح عدم السقوط في المجاري إنجازاً وسر الزفاف المظلم

جوزيف أسعد

منذ يومين، طرح عليّ أحد الأصدقاء سؤالاً بدا بسيطاً: ما هو أكثر موقف أتعبك نفسياً خلال زيارتك الأخيرة لمصر؟

الإجابة لم تكن في نشرات الأخبار، بل في رحلة مترو عادية إلى منطقة المرج الجديدة.

كنت مدعواً إلى حفل زفاف في تلك المنطقة. تعذر الوصول عبر تطبيقات النقل الذكي، فكان الحل الوحيد هو مترو الخط الأول. داخل العربة المزدحمة، وكما هو معتاد، توالى الباعة الجائلون. إلا أن أحدهم استوقفني تماماً.

كان رجلاً في منتصف الثلاثينيات، يرتدي بدلة أنيقة، قميصاً متناسقاً، وحذاءً جلدياً لامعاً، وتسريحة شعر توحي بأنه موظف خدمة عملاء في بنك أو شركة كبرى. بهدوء شديد، فتح حقيبته وبدأ يعرض “ماكينات حلاقة” للبيع على الركاب.

اعرف أكثر

وسط حالة غضب عربية عارمة: الليكود يتهم فلسطينيى الداخل بسرقة الانتخابات الإسرائيلية بالتزوير ولجنتها تحقق

المشهد لم يكن مجرد بيع متجول. كان مشهداً قاسياً لانهيار الطبقة الوسطى. رجل يقاتل بكل ما أوتي من قوة ليحافظ على آخر ذرة من أناقته وكرامته، في مجتمع تحولت فيه الحياة اليومية إلى صراع شرس من أجل البقاء.

انتهت رحلة المترو، لكن الرحلة الحقيقية بدأت. للوصول إلى منطقة “اللوادر”، كان لا بد من عبور نفق للمشاة أسفل الطريق الدائري. النفق كان مأساة بيئية وإنسانية بكل المقاييس: أكوام من القمامة على الجانبين، وروائح كريهة لا تطاق، اضطررت خلالها إلى كتم أنفاسي حتى أتمكن من العبور.

وصلت أخيراً إلى حفل الزفاف، الذي يفترض أن يكون لحظة بهجة. وبعد دقائق، انقطع التيار الكهربائي لأربع ساعات متواصلة. تحول الفرح إلى ظلام دامس في منطقة عشوائية تفتقر لأدنى مقومات الخصوصية والبنية التحتية.

من المرج الجديدة إلى سقف الطموح: حين يصبح عدم السقوط في المجاري إنجازاً

في تلك اللحظة، استحضرت ما كتبته سابقاً عن “الاستنزاف اليومي في أبسط مقومات الحياة”. كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يعيشوا، أن يفرحوا، أن يخططوا لمستقبل، وطاقتهم اليومية كلها مهدورة في النجاة من أزمة إلى أخرى؟

لكن الصدمة الحقيقية كانت في الحوار الذي دار بيني وبين أحد سكان المنطقة. سألته مستنكراً: كيف تستطيعون عبور هذا النفق البشع كل يوم؟

فجاء رده بابتسامة رضا أربكتني: “يا باشا، ده كده أحسن بكتير من الأول! زمان كان كله مياه مجاري طافحة، وكنا بنرص طوب عشان نعرف نعدي، وناس كتير كانت بتزحلق وتقع في المجاري.. دلوقتي على الأقل بنعرف نمشي على رجلينا!”

اعرف أكثر

ماذا يريد بوتين وآخرون من مصر؟: الرسائل المعقدة لصفقة مقاتلات السوخوى 35 ومنصات الإس 400 وصواريخ الآر إم والتانكر لحماية نظام آبي أحمد

تلك الجملة أصابتني بالصمت. هي تلخص المأساة كلها.

عن أي تنمية نتحدث عندما يصبح سقف طموح المواطن ورضاه هو ألا يسقط في مياه الصرف الصحي؟ عن أي تطوير نسوق له عندما يكون الإنجاز في نظر المواطن هو القدرة على المشي على قدميه دون أن يغرق في المجارى؟

الأسبوع الماضي، لخصت رحلتي إلى مصر في ثلاث كلمات: دفء، وتناقض، واستنزاف. وكتبت كيف أن البلد يزين الواجهة من الخارج، بينما الجوهر ينهار ببطء. ما حدث في نفق اللوادر كان التجسيد الحرفي والمرعب لكل حرف كتبته.

التنمية الحقيقية لا تقاس أبداً بعدد الأطنان من الأسمنت، ولا بعدد الكباري المعزولة عن الفقراء. التنمية الحقيقية تقاس بكرامة المواطن، وحقه في إنارة مستقرة، وهواء نظيف، وطريق آدمي لا يضطره إلى كتم أنفاسه.

الصورة المرفقة من نفق محطة اللوادر – المرج الجديدة، ليست مجرد صورة، بل هي شهادة على ما وصل إليه سقف أحلامنا.

 

من رصد فريق تصحيف السوشيال ميديا، وتم تصحيف البوست

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *