جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » أ.د أمجد عمارة يسطر: جبر خاطر الوزراء “المعصومين”

أ.د أمجد عمارة يسطر: جبر خاطر الوزراء “المعصومين”

أ. د أمجد عمارة

كنت قد تلقيت دعوة كريمة بتوجيه رئاسي لحضور مائدة مستديرة بقاعة القمة في منتدى مصر 2026 المنعقد بفندق سانت ريجيس بالعاصمة الإدارية الجديدة، للمشاركة في حوار حول موضوع هام وحرج للغاية بالنسبة لمصر في الوقت الحالي، وهو كيفية زيادة موارد البلد من النقد الأجنبي وإدارة ما على الدولة من ديون.

ونظرا لأهمية الموضوع، اقتطعت من معاشي الشهري الذي لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه، ألف جنيه لتلبية الدعوة والذهاب إلى المنتدى، رغم بعد المسافة بين المدينة ومحل إقامتي، ورغم ظروف أخرى أتحفظ عن ذكرها.

التأخر بلا اعتذار

عندما وصلت إلى الفندق والقاعة، وجدت أن الموعد المحدد لانعقاد الجلسة قد تأخر لأكثر من ساعة ونصف دون إعلان، فبقينا خارج القاعة في حالة انتظار وحيرة.

أ.د أمجد عمارة يسطر: جبر خاطر الوزراء “المعصومين”

تقسيم القاعة إلى صفوة وكومبارس

عندما بدأ اللقاء، وجدت أن من تدير الجلسة إحدى مذيعات التلفزيون المصري، ممن يقتربن من وصف القديرات، وربما تعمل بالشركة المتحدة للإعلام.

راقبت التقسيم الداخلي لمكان الجلوس بالقاعة الفارهة، فوجدت دائرة داخلية مكونة من صف واحد، بها كراسي فخمة ومريحة بلون فاتح مختلف، أُعدت ليجلس عليها الصفوة من السادة الوزراء ورجال الدولة والمسؤولين السياسيين.

ووجدت دائرة أخرى خارجية تحيط بالداخلية، يفصلها عنها مسافة مكانية وجدار مرتفع نسبيا، مكونة من أربعة صفوف دائرية على الأقل، بها كراسي صغيرة تقليدية غير مريحة، وُضعت متقاربة بغير فواصل كافية، شديدة الضيق والالتصاق، بشكل يجعلك غير قادر على الحركة بمرونة، ويضعك في حرج من الاحتكاك بمن يجاورك.

أ.د أمجد عمارة يسطر: جبر خاطر الوزراء “المعصومين”

هذه الدائرة غير المريحة أُعدت ليجلس فيها الحضور غير الرسميين، الذين جاؤوا مؤتمرين في حب مصر، والتزموا الاحترام والتقدير لمقام صاحب الدعوة الكريمة، سيادة الرئيس.

إضاءة تقطع أوصال القاعة

وُضعت الإضاءة داخل القاعة بشكل معيق، أحسبه مدبرا ومقصودا، على هيئة كشافات قوية تحدث عوازل ضوئية بين جنبات القاعة، فلا يرى الجالس في جانب منها أي جالس في الجانب الآخر، فتقطعت أوصال القاعة وأصبحت كمتاهة الملاهي، لا يرى أحد فيها أحدا.

غياب الرئيس والحكومة تتحدث وحدها

حضر جمع وافر من السادة الوزراء المؤثرين وذوي الصلة بموضوع الحوار، ومنهم وزراء المجموعة الاقتصادية، فيما عدا نائب رئيس الوزراء المختص، وحضر محافظ البنك المركزي ووزير الطيران ووزير السياحة ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون السياسية واللواء المسؤول عن إدارة قناة السويس وأحد قادة الأحزاب وغيرهم ممن لم أتمكن من رؤيتهم بشكل مباشر.

أ.د أمجد عمارة يسطر: جبر خاطر الوزراء “المعصومين”

ثم أُديرت الجلسة بمنطق وجدته غريبا وغير متوقع. توجهت المذيعة المكلفة بإدارة الجلسة بأسئلة مرتبة، كان واضحا تماما أنها أُعدت مسبقا وأُبلغ بها السادة المسؤولون قبل المؤتمر بوقت كاف للاستعداد للرد عليها.

وجهت المذيعة هذه الأسئلة المتفق عليها للسادة الوزراء والمسؤولين الرسميين الجالسين في الدائرة الداخلية ذات الكراسي الفارهة، واحدا تلو الآخر، واستغرقت أحاديثهم إجمالا ما يزيد قليلا على ساعتين ونصف.

دقيقة واحدة على طريقة الكومبارس

ثم أنهت المذيعة الجلسة بقولها نصا: هناك دقيقة واحدة فقط، أي ثلاثون ثانية للسادة الحضور إن كان ثمة سؤال. وهنا، بشكل بدا متفقا عليه، تلقفت إحداهن – لا أتذكرها لكنها من التابعات للمذيعة الجالسات بالقرب منها – الميكروفون، وتحدثت بكلام عام لتستنفد نصف الدقيقة، ثم أعادته للمذيعة مرة أخرى لتقول فورا وعلى عجل، رافضة أي سؤال أو تعليق: انتهت الجلسة.

أ.د أمجد عمارة يسطر: جبر خاطر الوزراء “المعصومين”

هنا شعرت، وشعر السادة الحضور من الفاهمين، كيف أننا تلقينا إهانة كبيرة متعددة الأبعاد، إلا أنني حمدت الله أن المذيعة نسيت أن تقول لنا: قوموا أيها الأغبياء البلهاء وجروا معكم أذيال الخيبة التي جئتم بها.

جمهور لإكمال الشكليات

تجاهلت المذيعة تماما وجود الحضور غير الرسميين الذين جاؤوا للمنتدى ليكونوا مجرد ديكور، أو بلغة السينما كومبارس، أو مجرد جمهور جيء به لإكمال شكليات الجلسة.

تجاهلت أن البعض من هؤلاء الضيوف غير الرسميين ربما هم أساتذة لهؤلاء السادة الرسميين الأفاضل، وأنهم لم يكونوا بحاجة حتى لمجرد الاستماع لما أدلى به الوزراء والمسؤولون.

وتجاهلت كذلك أن تلك الأحاديث التي أدلى بها السادة الوزراء والمسؤولون لم تخرج عن دوائر تقليدية متعارف عليها منذ قديم الأزل لدى كل المتخصصين، ولم تتضمن أو تمس من قريب أو بعيد أي طرح إبداعي كان متوقعا منهم، أو حتى متوقعا أن يستمعوا إليه من الحضور الآخرين لمواجهة الأزمة الخطيرة التي كان من المفترض أن تكون محلا للحوار.

أ.د أمجد عمارة يسطر: جبر خاطر الوزراء “المعصومين”

تعاملت المذيعة – ولا لوم عليها بشكل شخصي – مع المتعلمين والمثقفين والمتخصصين على أنهم لا يفقهون شيئا، وأنهم سوف تفوت عليهم طريقة تصرفها الساذجة معهم، أو الطريقة غير اللائقة التي وُجهت بها لإدارة الجلسة، والتي لم تكن فيها أي مساحة للاستفادة من رأي الضيوف الآخرين.

إثم في حق النفس

لقد جعلني هذا الموقف، لعلم وفقني الله إليه وتخصص يسره الله لي بالحصول على درجة دكتوراه الفلسفة في مجال موضوع الحلقة التي يُفترض أنها نقاشية، أشعر أنني ارتكبت إثما كبيرا في حق نفسي، وأصبحت ظالما لها، تلك النفس التي أمرنا الله ألا نُظلم، والتي ما كان لي أن أهينها بهذا الشكل أو أهين ما تملك من علم بمثل هذا الحضور غير اللائق.

ومن شدة شعوري بما ارتكبت من إثم في حق نفسي، أرى أنه قد زال عني حتى الحق في أي ندم، ولذا أكتفي بالقول هنا: استغفر الله العظيم، استنادا إلى أن بعض المجالس تستحق، بل يجب حال حضورها، التوبة وحسن الاستغفار.

أ.د أمجد عمارة يسطر: جبر خاطر الوزراء “المعصومين”

زال العجب حين عُرف السبب

على أي حال، توقفت دهشتي تماما وفهمت وتبدد حزني الكبير مما حدث من سوء إدارة وقلة وعي وانعدام حسن تدبير في معاملة الضيوف المؤتمرين الوطنيين الذين جاؤوا في حب مصر، عندما تفضل سيادة الرئيس بالتصريح عبر وسائل الإعلام، وإن كان لاحقا بعد هذه الجلسة، موضحا لنا جميعا على الملأ أمام الرأي العام، أنه تفضل بالدعوة الكريمة لعقد مثل هذا المنتدى من أجل إرضاء الحكومة وجبر خاطرها.

وتحت مبرر ما سببه الشعب المصري للسادة الوزراء الأفاضل أعضاء الحكومة من ضيق وغضب وزعل، قائلا بحرمة ذلك وعدم جوازه، بل ووجوب دعم هذه الحكومة وما تقوم به من مجهود وأداء مميز وما تتخذه من قرارات حكيمة.

فعرفت أنني لم أذهب إلى هذا المنتدى هباء منثورا، وإنما ذهبت مع هذا الجمع الكريم من الشعب المصري العظيم صاغرا ومعتذرا، من أجل إرضاء وجبر خاطر الحكومة، وجبر خاطر أسيادنا وتاج رؤوسنا، السادة الوزراء الكبار المعصومين، أعضاء الحكومة المصرية.

*الكاتب، عميد سابق لكلية التجارة بجامعة المنوفية

المقالات، مساحات خاصة بكتابها، ليس بالتبعية أن تتوائم مع السياسة التحريرية ومواقف موقعنا

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *