تحليل: أحمد شعبان
في الشرق الأوسط، لا تُكتب فصول الصراع بالحسم، بل تُدوَّن بهوامش التأجيل؛ حيث تتكاثف الوقائع حتى تبدو كأنها معركة كبرى، ثم تنقضي فلا تُخلّف إلا سؤالًا مُعلّقًا: من انتصر؟
والجواب الأصدق أن أحدًا لم ينتصر، وأن الجميع، على تفاوت مواقعهم، قد وقعوا في مأزق واحد، تتعدد وجوهه وتتشابه نتائجه.
فواشنطن، التي دخلت المشهد بثقل القوة وسردية القيادة، تجد نفسها اليوم أسيرة معادلة داخلية معقدة، تتآكل فيها شرعية الحرب مع اقتراب استحقاقات انتخابية لا ترحم، فيما تغيب الإنجازات التي يمكن تسويقها للرأي العام، وكأنها تقاتل لتبرير القتال ذاته، لا لتحقيق غاياته.
انزلاق مسار التفاوض
بل إن مسار التفاوض انزلق من ميادين النفوذ إلى جغرافيا الخطر، حيث يقف مضيق هرمز كحبل من مسد في عنق القرار الأمريكي؛ لا يستطيع تجاهلها، ولا يملك فكّها دون كلفة باهظة.
وعلى الضفة الأخرى، تقف إيران بين حدّين لا ثالث لهما: بقاء النظام، بما يستدعيه من مرونة قد تُفسَّر ضعفًا، أو المضي في مشروعها النووي والصاروخي وتمددها الإقليمي، بما يحمله من احتمالات استنزاف قد يهدد هذا البقاء ذاته.
فتبدو كمن يوازن على حافة دقيقة بين طموح لا يريد أن يتنازل عنه، وواقع لا يسمح له بأن يمضي فيه إلى نهايته.
متاهة الجبهات المتعددة
أما إسرائيل، التي صاغت لنفسها عبر عقود نظرية أمن تقوم على الردع الخاطف والحسم السريع، فقد وجدت نفسها في متاهة الجبهات المتعددة، حيث يتشظى التهديد ويتوزع، وتتآكل القدرة على الحسم، ويغدو الزمن خصمًا لا حليفًا.
وفي قلب ذلك، يقف نتنياهو أمام مأزق مركب؛ لا يستطيع أن يعلن النصر، ولا يملك ترف الاعتراف بالعجز، فتتآكل صورته بقدر ما يتآكل مفهوم الأمن الذي حكم دولته طويلًا.
وفي الأفق الأوسع، يقف العالم كله على حافة قلق مشروع، إذ تتسع دائرة عدم اليقين حتى تمسّ بنية النظام الدولي ذاته، وتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي الذي يرتجف مع كل تهديد لممرات الطاقة وسلاسل الإمداد، وكأن مغامرات العبث في الإقليم قد تجاوزت حدودها الجغرافية لتصيب قلب النظام العالمي في توازنه واستقراره.
الورطات المتشابكة
وبين هذه الورطات المتشابكة، تجري مفاوضات تبدو أقرب إلى استراحة محاربين منهكين منها إلى طريق نحو تسوية؛ هدنة هشة لا تعكس اتفاقًا بقدر ما تكشف عجزًا، وكأنها محاولة لإدارة الزمن لا لتغييره، أو لإرجاء الحسم لا لصناعته.
حتى ليخيل للمتأمل أنها مفاوضات يائسة، أو لعلها مجرد غطاء أنيق لإطالة أمد مأزق لا يملك أحد شجاعة إنهائه.
وهكذا، لا يكون المشهد صراعًا بين غالب ومغلوب، بل لوحة كثيفة من التعقيد، حيث تتساوى القوى في العجز كما كانت تتفاوت في القوة، ويصبح السؤال الحقيقي ليس من ربح الجولة، بل إلى متى يستطيع الجميع تحمّل كلفة البقاء في هذه الدائرة المغلقة، حيث اللا حسم هو النتيجة الوحيدة المؤكدة.
