جاءنا الآن
الرئيسية » ألف كلمة » د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

د. إبراهيم رضوان

مقدمة: المعركة التي تبدأ بعد انتهاء الاستعمار
لا ينتهي الاستعمار بالضرورة عندما ترحل الجيوش، أو تُنزل الأعلام، أو تعلن الدول استقلالها السياسي. فقد ينتهي الاحتلال المباشر، بينما تبقى بعض آلياته حاضرة في بنية التفكير، وفي الاقتصاد، وفي المؤسسات، وفي أنماط صناعة القرار، بل وفي الطريقة التي تنظر بها الشعوب إلى نفسها وإلى العالم من حولها.

ومن هنا تبدأ معركة أكثر تعقيداً من معركة تحرير الأرض: معركة تحرير الوعي والسيادة. فالسيادة ليست مجرد علم يرفرف فوق مبنى حكومي، ولا مقعد في منظمة دولية، ولا اعتراف دبلوماسي بدولة. السيادة الحقيقية هي امتلاك القدرة على تعريف المصالح الوطنية، وصناعة القرار المستقل، وإنتاج المعرفة، وبناء الاقتصاد، وحماية الأمن، وتحديد موقع الدولة أو الأمة في النظام الدولي دون أن تتحول إلى مجرد تابع في منظومة أكبر منها.

لقد عرفت المنطقة العربية، منذ نهاية الحقبة الاستعمارية المباشرة، أشكالاً متعددة من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية. ولم تكن المشكلة دائماً في وجود قوة خارجية تفرض إرادتها بالقوة، بل في قدرة منظومات الهيمنة على إعادة إنتاج نفسها من خلال أدوات أكثر نعومة وأقل وضوحاً.

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من استعمرنا؟ بل أيضاً: كيف استمرت بعض آليات الهيمنة بعد رحيل المستعمر؟ وكيف تحولنا، في بعض الحالات، من مقاومة الهيمنة إلى التكيف معها؟ وهنا تحديداً تلتقي القضية الفلسطينية مع القضية العربية الأوسع.

أولاً: فلسطين ليست حادثة تاريخية منفصلة عن بنية النظام الدولي
لم تبدأ المعضلة الفلسطينية في عام 1948 وحده، كما أنها لا يمكن اختزالها في حدود هدنة أو حرب بعينها. فالجذور تعود إلى مرحلة تشكل النظام الدولي الحديث، عندما كانت المنطقة العربية تخضع لإعادة ترتيب جيوسياسي واسع في ظل تراجع الإمبراطوريات القديمة وصعود القوى الاستعمارية الأوروبية.

اعرف أكثر

حروب المضايق من هرمز لباب المندب: شريان الاقتصاد العالمي تحت التهديد وسيناريوهات التصعيد

جاء وعد بلفور عام 1917 في هذا السياق، ثم انتقل من مجرد إعلان سياسي إلى إطار مؤسسي مع إدماجه في منظومة الانتداب البريطاني على فلسطين. وهنا تكمن إحدى المفارقات التاريخية الكبرى: فقد كانت فلسطين، في الوقت الذي كانت فيه الشعوب العربية تناضل من أجل تقرير مصيرها، تتحول إلى ساحة لإعادة هندسة سياسية وديموغرافية لم يكن الشعب الفلسطيني صاحب القرار الأساسي فيها.

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

ثم جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 عام 1947، المعروف بقرار التقسيم، بوصفه توصية سياسية اقترحت تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، مع وضع القدس في نظام دولي خاص.

ومن الناحية القانونية، من المهم التمييز بين التوصية الدولية وبين إنشاء السيادة بقوة القانون. فقرار التقسيم لم يكن، بذاته، سنداً قانونياً منشئاً لدولة إسرائيل، وإنما جاء ضمن سياق سياسي دولي بالغ التعقيد، ثم تلت ذلك الحرب وإعلان قيام إسرائيل والاعترافات الدولية والتطورات التي أعادت تشكيل الواقع على الأرض.

اعرف أكثر

بعد دعمها السد الإثيوبي: إسرائيل تعلن مساندة مخطط أديس أبابا للوصول للبحر الأحمر

هنا لا تكمن أهمية هذه المرحلة في إعادة كتابة التاريخ فحسب، بل في إدراك حقيقة أكثر عمقاً: أن الوقائع السياسية لا تنشأ في فراغ، وأن موازين القوة كثيراً ما تسبق صياغة القواعد التي يُطلب من الضعفاء لاحقاً احترامها.

ثانياً: الشرعية الدولية بين المبدأ وموازين القوة
لا يمكن اختزال النظام الدولي في كونه مؤامرة دائمة، كما لا يمكن التعامل معه باعتباره منظومة محايدة تعمل خارج تأثير القوة والمصالح. لقد أسهم القانون الدولي ومؤسساته في تطوير قواعد مهمة لحماية الشعوب، وتحريم العدوان، وحماية المدنيين، وتجريم جرائم الحرب والإبادة والاضطهاد. كما أن القضاء الدولي أصبح مساحة مهمة لمساءلة الدول والأفراد.

لكن المشكلة تظهر عندما تتعارض القواعد القانونية مع مصالح القوى الكبرى. فهنا تظهر الفجوة بين النص القانوني والقدرة السياسية على إنفاذه.

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

ومجلس الأمن، بما يمنحه ميثاق الأمم المتحدة من امتيازات للدول الخمس دائمة العضوية، يقدم نموذجاً واضحاً على ارتباط النظام الدولي بموازين القوة. فحق النقض يمكن أن يمنع صدور قرارات حتى عندما تتوافر أغلبية واسعة داخل المجلس.

وفي الحالة الفلسطينية، لعب الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي الأمريكي لإسرائيل، بما في ذلك الاستخدام المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن، دوراً مهماً في الحد من قدرة المؤسسة الدولية على فرض ضغوط متناسبة مع حجم النزاع والانتهاكات محل النقاش.

اعرف أكثر

عمرو محسوب النبي يسطر: وهم مئوية الإذاعة المصرية..أن تكون رئيساً لهيئة فتعبث بالأسماء والتاريخ

لكن الاستنتاج الذي ينبغي الوصول إليه ليس التخلي عن القانون الدولي. بل العكس تماماً. المطلوب هو تحرير التعامل مع القانون الدولي من الوهم، لا التخلي عنه. فالقانون ليس عصاً سحرية تحقق العدالة وحدها، لكنه أيضاً ليس بلا قيمة. إنه ساحة من ساحات الصراع السياسي والقانوني، ويمكن توظيفه لإثبات الحقوق، وتوثيق الانتهاكات، وملاحقة المسؤولين، وبناء الشرعية الدولية، وتضييق مساحة الإفلات من العقاب. وهنا يجب أن ننتقل من عقلية انتظار العدالة إلى عقلية استخدام القانون لصناعة أدوات العدالة.

ثالثاً: الغرب بين قيمه المعلنة وتاريخه الاستعماري
ليس من الموضوعية اختزال الحضارة الغربية في الاستعمار، كما ليس من الإنصاف إنكار إسهام الفكر الغربي في إنتاج مفاهيم مهمة مثل الحرية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات. لكن الاعتراف بهذه المنجزات لا يمنع مساءلة التناقض التاريخي بين المبادئ المعلنة وبين ممارسات استعمارية مارستها قوى غربية على شعوب واسعة في آسيا وأفريقيا والعالم العربي.

لقد شهد التاريخ الأوروبي الاستعمار، والاستعباد، والنظريات العنصرية، والحروب التوسعية، والفاشية والنازية، كما شهد في الوقت نفسه صعود تيارات فكرية وقانونية قاومت تلك الممارسات وطورت مفاهيم عالمية للحقوق والحريات.

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

وهذا التناقض هو بالضبط ما ينبغي أن يكون موضوع المساءلة. فالمشكلة ليست في وجود «قيم غربية» في حد ذاتها، وإنما في انتقائية تطبيق القيم عندما تتعارض مع المصالح الجيوسياسية. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي طرحه على الغرب ليس: لماذا لا تكونون أخلاقيين؟ بل: لماذا تطبقون المبادئ التي تطالبون العالم باحترامها بصورة غير متساوية؟ هذه صيغة أقوى؛ لأنها لا ترفض القانون أو حقوق الإنسان، بل تستخدمهما لمساءلة من يدّعي احتكارهما.

رابعاً: فلسطين تكشف أزمة ازدواجية المعايير
تكشف القضية الفلسطينية، بصورة صارخة، الفجوة بين الخطاب والممارسة. فعندما تتعامل الدول الكبرى مع انتهاكات القانون الدولي باعتبارها جرائم تستوجب العقوبات في منطقة ما، ثم تتعامل مع انتهاكات مشابهة في منطقة أخرى بمنطق مختلف، فإن المشكلة لا تعود في القانون ذاته، وإنما في انتقائية تطبيقه.

اعرف أكثر 

47.3 مليار دولار.. تحويلات المصريين بالخارج تحقق رقماً قياسياً وتدفع الاحتياطي لـ 57.2 مليار دولار

كما أن الدعم العسكري والسياسي المستمر لإسرائيل من الولايات المتحدة ودول غربية، إلى جانب التعاون التاريخي الذي ساهم في تطوير قدراتها الاستراتيجية والنووية، يضعف أي ادعاء بأن هذه الدول تقف خارج الصراع بوصفها أطرافاً محايدة تماماً. لكن علينا هنا أن نكون دقيقين. فالسياسة الدولية ليست دائماً مؤامرة واحدة متماسكة، والدول الغربية نفسها ليست كتلة واحدة، والمجتمعات الغربية تضم تيارات سياسية وشعبية وقانونية وإعلامية تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً.

ولهذا فإن معركة الوعي لا ينبغي أن تتحول إلى عداء حضاري شامل للغرب. فهذا النوع من التعميم يخدم الهيمنة أكثر مما يهدمها. المطلوب هو التمييز بين الحضارة والثقافة من جهة، والسياسات الاستعمارية ومصالح القوى من جهة أخرى. وهذا التمييز يمنح خطابنا قوة أخلاقية وفكرية أكبر.

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

خامساً: من إدارة الصراع إلى مشروع الهيمنة الإقليمية
خلال العقود الماضية، اعتاد جزء كبير من الخطاب السياسي التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره نزاعاً يمكن إدارته، أو أزمة يمكن احتواؤها، أو مساراً تفاوضياً يمكن إحياؤه متى توفرت الإرادة السياسية. لكن السنوات الأخيرة طرحت أسئلة أكثر خطورة. فالتوسع الاستيطاني، والضم الفعلي المتدرج، والسيطرة على الأرض، ومحاولات تغيير الوقائع الديموغرافية والجغرافية، إلى جانب تصريحات عدد من المسؤولين الإسرائيليين، كلها دفعت إلى إعادة النظر في طبيعة المشروع السياسي الذي تواجهه المنطقة.

لقد لم يعد السؤال فقط: كيف ننهي الصراع؟ بل أصبح: أي شرق أوسط يجري تشكيله؟ ومن يملك حق رسم حدوده السياسية والأمنية والجغرافية؟ وفي هذا السياق اكتسبت فكرة «إسرائيل الكبرى» حضوراً متزايداً في النقاش السياسي، سواء من خلال خرائط وتصريحات سياسية، أو من خلال الخطاب المرتبط بالاستيطان والضم والتوسع. وعندما تظهر خرائط سياسية أو تصريحات تتجاوز حدود إسرائيل المعترف بها دولياً، وتضم أراضي فلسطينية أو تشير إلى تصورات إقليمية أوسع، فإن التعامل معها لا ينبغي أن يكون باعتبارها مجرد شعارات انتخابية.

اعرف أكثر

ارتباك حكومى: ألية قطع الأشجار من وزيرة المحليات والبيئة حتى المحافظين بعد الحملة الشعبية ضد المجازر الخضراء

بل يجب قراءتها ضمن سياقها السياسي والاستراتيجي. فالخطاب السياسي قد يكون أحياناً مقدمة لاختبار ردود الفعل، أو محاولة لتوسيع حدود الممكن سياسياً. ولهذا فإن معركة الوعي تبدأ من قراءة الخطاب السياسي بوصفه مؤشراً على اتجاهات الفعل، وليس مجرد كلمات عابرة.

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

سادساً: لكن المشكلة ليست في الآخر وحده
وهنا تصل معركة الوعي إلى أصعب مراحلها. فمن السهل أن نتحدث عن الاستعمار، والهيمنة، والفيتو، والانحياز الدولي. لكن الأصعب أن نسأل: ماذا فعلنا نحن؟ لماذا بقيت الأمة العربية، رغم امتلاكها الموارد البشرية والطبيعية والجغرافية الهائلة، عاجزة عن بناء منظومة استراتيجية مستقلة قادرة على حماية مصالحها؟

لماذا أصبحت كثير من أزماتنا رهينة للخلافات البينية؟ لماذا تحول الانقسام الفلسطيني من خلاف سياسي قابل للإدارة إلى أحد أهم مصادر الضعف الوطني؟ لماذا لم يتحول التفوق العددي والاقتصادي والموارد الطبيعية إلى قدرة سياسية واستراتيجية متناسبة؟ ولماذا ما زال جزء من خطابنا السياسي يقوم على رد الفعل، بينما يحدد الآخرون أجندة الأحداث ويجبروننا على التحرك وفقها؟

اعرف أكثر

محمد تمساح يسطر: عن ماجستيرى الاقتصادي الإقليمي الذى حصلت عليه بامتياز

إن مواجهة الهيمنة لا تبدأ فقط بفضح الآخر. بل تبدأ أيضاً بإعادة بناء الذات.

سابعاً: من التبعية إلى الاستقلال الاستراتيجي
إذا كانت الهيمنة متعددة الأبعاد، فإن مقاومتها يجب أن تكون متعددة الأبعاد أيضاً.
1. استقلال القرار السياسي
لا يمكن بناء سيادة حقيقية إذا كانت القرارات الاستراتيجية مرهونة بصورة دائمة بحسابات القوى الخارجية. وهذا لا يعني العزلة أو قطع العلاقات الدولية. الدولة الذكية لا تعزل نفسها عن العالم؛ بل تتفاعل معه من موقع القوة والمصلحة المتبادلة. المطلوب هو الانتقال من سياسة «ماذا يريد الآخرون منا؟» إلى سياسة: «ماذا نريد نحن؟ وكيف نجعل الآخرين يتعاملون مع مصالحنا باعتبارها حقيقة سياسية؟»

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

2. إنهاء الانقسام الفلسطيني
لا يمكن بناء مشروع وطني قادر على الصمود في ظل انقسام يستنزف الداخل ويمنح الخارج فرصاً أكبر للتدخل. القضية الفلسطينية أكبر من الفصائل، وأكبر من الحكومات، وأكبر من الأشخاص. والفلسطيني الذي يختلف سياسيًا مع فلسطيني آخر يجب ألا يتحول اختلافه إلى قطيعة وطنية. إن المطلوب ليس إلغاء التعدد السياسي، وإنما إدارة التعدد داخل إطار وطني جامع. فالوحدة ليست تطابقاً في الرأي. الوحدة هي الاتفاق على الوطن، والحقوق، والكرامة، والمصلحة العليا.

3. تحويل القانون الدولي إلى أداة فاعلة
ينبغي ألا نتعامل مع القانون الدولي باعتباره جهة تمنحنا العدالة من تلقاء نفسها. بل باعتباره مساحة يجب العمل فيها بذكاء ومهنية. التوثيق، والدعاوى القضائية، والملاحقات الجنائية، والضغط الدبلوماسي، وبناء الملفات القانونية، والتحالفات الدولية، كلها أدوات يمكن أن تحول القانون من نصوص جامدة إلى وسائل ضغط ومساءلة.

اعرف أكثر

حروب المضايق من هرمز لباب المندب: شريان الاقتصاد العالمي تحت التهديد وسيناريوهات التصعيد

4. بناء الاستقلال الاقتصادي والمعرفي
لا توجد سيادة سياسية حقيقية دون قدر من الاستقلال الاقتصادي. ولا يوجد استقلال اقتصادي مستدام دون معرفة وتكنولوجيا وتعليم وبحث علمي. إن الدولة التي تستورد غذاءها، وتقنيتها، ودواءها، وسلاحها، ومعرفتها، ثم تطلب استقلال قرارها السياسي، تواجه معادلة صعبة. ولهذا فإن معركة السيادة تبدأ أيضًا من: الجامعة، والمختبر، والمصنع، والمزرعة، ومركز الأبحاث، والمنصة الإعلامية.

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

ثامناً: استعادة الوعي ليست عودة إلى الماضي
الوعي التاريخي لا يعني العيش في الماضي. استعادة الذاكرة لا تعني رفض الحداثة. والاعتزاز بالهوية لا يعني الانغلاق. بل العكس. الأمة الواثقة من نفسها تستطيع أن تتفاعل مع العالم دون أن تفقد ذاتها. أن تستفيد من التكنولوجيا دون أن تستورد التبعية. أن تتعامل مع الغرب دون أن تتبنى رؤيته بالضرورة. أن تستخدم المؤسسات الدولية دون أن تجعل مصيرها مرهوناً بها. أن تقبل الحوار دون أن تتنازل عن الحقوق. وأن تكون واقعية دون أن تتحول الواقعية إلى استسلام. هذه هي معادلة الوعي السيادي.

خاتمة: من انتظار التاريخ إلى صناعة التاريخ
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب أو أمة ليس أن يخسر معركة عسكرية، وإنما أن يفقد القدرة على تعريف مصالحه، وأن يصبح أسيراً للرواية التي يكتبها الآخرون عنه. لقد خسرنا الكثير من الأرض، لكن الخطر الأكبر أن نخسر القدرة على التفكير في كيفية استعادتها. لقد تعرضت فلسطين لعقود من محاولات تغيير الواقع، لكن المعركة لم تكن يوماً على الأرض وحدها. كانت أيضاً معركة على الرواية، والذاكرة، والقانون، والشرعية، والوعي. ولهذا فإن التحرر الحقيقي لا يبدأ عندما يتغير العالم من حولنا، بل عندما نعيد نحن بناء قدرتنا على فهمه والتأثير فيه.

د.إبراهيم رضوان يسطر: معركة الوعي والسيادة من تفكيك الهيمنة إلى إعادة بناء الذات العربية والفلسطينية

فلا يكفي أن نكشف ازدواجية المعايير الدولية؛ علينا أن نبني قدرة تجعل تجاوز حقوقنا أكثر كلفة سياسياً وقانونياً. ولا يكفي أن ننتقد الهيمنة؛ علينا أن نمتلك أدوات الاستقلال عنها. ولا يكفي أن نتحدث عن الوحدة؛ علينا أن نبني مؤسسات قادرة على تحويلها إلى قوة سياسية.

اعرف أكثر

بعد دعمها السد الإثيوبي: إسرائيل تعلن مساندة مخطط أديس أبابا للوصول للبحر الأحمر

ولا يكفي أن نطالب بالسيادة؛ علينا أن نمتلك مقوماتها. فالدولة تبدأ في القانون، لكنها لا تستمر بالقانون وحده؛ تبدأ في الأرض، لكنها لا تحمي الأرض دون وعي؛ وتبدأ بالاعتراف الدولي، لكنها لا تصبح ذات سيادة حقيقية دون إرادة وطنية وقدرة على حماية القرار.

*محلل فلسطينى والأمين العام السابق للبرلمان الفلسطيني 

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *