
لم يعد الإجهاض قضية يمكن دفنها تحت عباءة العادات أو الهروب منها بخطاب أخلاقي جامد. نحن أمام واقع صادم يتكرر: طفلات يُغتصبن، حالات زنا محارم تُكتشف بعد فوات الأوان، أجنّة تحمل تشوهات قاتلة، وأمهات يُدفعن دفعًا نحو مصير لم يخترنه.
ورغم ذلك، لا يزال النقاش محاصرًا بالخوف، وكأن الاعتراف بالمشكلة أخطر من وقوعها.
الحقيقة التي يجب مواجهتها بوضوح: الصمت لم يمنع الإجهاض، بل جعله أكثر قسوة وخطورة.
ما يحدث الآن هو لجوء إلى ممارسات سرية، غير آمنة، تُهدد حياة النساء، وتنتج مآسي إنسانية لا تُحصى.

وفي المقابل، يولد أطفال في ظروف قهرية، بلا سند نفسي أو اجتماعي، ليبدأوا حياتهم وهم يدفعون ثمن جريمة لم يرتكبوها.
هل هذا ما نريده حقًا؟
الدين الإسلامي، الذي يُستدعى كثيرًا لإغلاق باب النقاش، لم يكن يومًا دينًا ضد الرحمة أو العقل. بل على العكس، أسّس لمبدأ واضح: رفع الضرر أولى من التمسك بالشكل. يقول الله تعالى:
“وما جعل عليكم في الدين من حرج”،
ويقول: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”.
اعرف أكثر
لمساحة تنويرية غير تقليدية: وكالة الأنباء المصرية “إندكس” تختار “دينا المقدم” لرئاسة قطاع “هي 360”
هذه ليست نصوصًا هامشية، بل قواعد كبرى تُبنى عليها الأحكام، وتفتح باب الاجتهاد حين تتعقد الحياة. وقد أقرّ عدد من الفقهاء بجواز الإجهاض في حالات الضرورة القصوى، خاصة قبل نفخ الروح، وهو ما يمنحنا أرضية شرعية للنقاش، لا مبررًا للهروب منه.
المعضلة ليست في الدين… بل في جرأة التطبيق
هل يُعقل أن نُجبر طفلة في الخامسة عشرة، ضحية اغتصاب، على استكمال حمل يهدد حياتها النفسية والجسدية؟
هل من الإنسانية أن تُرغم إمرأة على إنجاب طفل ناتج عن زنا محارم؟

هل هذه هي القيم التي ندافع عنها، أم أننا نخلط بين حماية الأخلاق ومعاقبة الضحايا؟
التمسك الأعمى بالمنع المطلق لا يحمي المجتمع، بل يضاعف من ألمه. والتقنين ليس دعوة للفوضى، بل محاولة لوضع حدود واضحة لما يحدث بالفعل في الخفاء.
العالم لا ينتظرنا
دول كثيرة، بعضها أكثر محافظة منا، واجهت هذه القضية بشجاعة. لم تُبح الإجهاض بلا قيود، لكنها وضعت استثناءات إنسانية واضحة:
في فرنسا، يُسمح بالإجهاض ضمن إطار قانوني منظم.
في ألمانيا، يخضع القرار لاستشارة إلزامية لضمان الوعي الكامل.
وفي دول عربية، بدأ النقاش يأخذ مسارًا جادًا لتقنين الإجهاض في حالات مثل الاغتصاب والتشوهات الخطيرة.
هذه التجارب لا تُنقل حرفيًا، لكنها تثبت أن المواجهة ممكنة، وأن الحفاظ على القيم لا يعني إنكار الواقع.
اعرف أكثر
العيب في الذات الأبوية: أسباب غضبة المجتمع من بنت على الحجار المستفزة
ما الذي نحتاجه الآن؟
نحتاج إلى قانون واضح، لا يفتح الباب على مصراعيه، بل يحدده بدقة شديدة:
إجهاض مسموح فقط في أضيق الحالات—كالاغتصاب، وزنا المحارم، والتشوهات الجنينية الخطيرة—وبشروط صارمة، وتحت إشراف طبي وقانوني كامل.
نحتاج إلى شجاعة مجتمعية تعترف بأن حماية الحياة لا تعني فقط ولادتها، بل تعني أيضًا الظروف التي تُولد فيها.

القضية لم تعد تحتمل التأجيل. كل يوم صمت هو يوم جديد من الألم المخفي.
إما أن نواجه الواقع بعقل وعدل ورحمة، أو نتركه يتفاقم في الظل، حيث لا قانون ولا إنسانية.
السؤال الحقيقي ليس: هل نسمح بالإجهاض؟
بل: هل نملك الشجاعة لنمنع الظلم، حتى لو اضطررنا لإعادة النظر في المسكوت عنه؟
