
محمد مصطفى شاهين
في زحمة التحولات المتسارعة التي تعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط لا تندرج زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الخليج عموما، والدوحة بالذات ضمن سياق المجاملات الدبلوماسية التقليدية أو تبادل أوراق الاعتماد البروتوكولية، بل هي أقرب إلى إعلان تأسيسي لمرحلة جديدة من الهندسة الجيوسياسية الإقليمية تذوب فيها الحدود المصطنعة أمام تيارات المال والطاقة والممرات اللوجستية الحيوية.
إن نظرة فاحصة إلى جوهر المحادثات التي جرت تحت قبة الديوان الأميري مع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني تكشف أننا أمام عملية إعادة تموضع استراتيجي للدولة السورية، ليس بوصفها كياناً يبحث عن الاستقرار الأمني فحسب، بل بوصفها مفصلاً مركزياً في بنية الربط التجاري بين منابع الطاقة الخليجية وأسواق الاستهلاك الأوروبية والتركية.
اعرف أكثر
محمد شاهين يسطر لـ”إندكس” من غزة: المختلف في أسطول الصمود الأسبانى
إن ما بات يُعرف بدبلوماسية الغاز والكهرباء يتجسد اليوم في مبادرة توريد مليوني متر مكعب يومياً من الغاز الطبيعي القطري عبر الأراضي الأردنية، وهي عملية لا تُقرأ بعين المهندس الكهربائي الذي يعد الميغاواط فقط بل بعين الخبير الجيوستراتيجي الذي يدرك أن مد الأنابيب وشبكات النقل هو إعادة تعريف لاتجاهات السيادة والنفوذ.

لقد تجاوز الحضور الاقتصادي القطري في سورية عتبة العشرين مليار دولار، وهو رقم لا يمثل مجرد استثمار مالي، بقدر ما هو إعلان نيات سياسية راسخة لترسيخ شرعية النظام الجديد ليس عبر الاعتراف الدبلوماسي المجرد بل عبر الشرعية التنموية التي يفرضها الأثر الملموس لإضاءة المدن وتشغيل المعامل.
إن الحديث عن خمس محطات لتوليد الكهرباء بطاقة خمسة آلاف ميغاواط، وفق ما صرح به السفير القطري خليفة عبد الله آل محمود ليس مجرد مشروع إنشائي، بل هو تثبيت لمرتكزات سيادة الدولة السورية على جغرافيتها عبر إعادة وصلها بشبكة الضمان الاقتصادي العربي.
اعرف أكثر
أمر واقع جديد تفرضه إثيوبيا في السد..فهل تواصل مصر والسودان السكوت؟
عند نقطة التماس بين المصلحة القطرية في إيجاد ممرات تصدير آمنة وثابتة والمصلحة السورية في إعادة تأهيل البنية التحتية المتآكلة يتشكل ما يمكن تسميته (بالحزام اللوجستي القاري) الذي يحول سورية من ساحة تصفية حسابات إقليمية إلى ساحة عبور حيوية تختزل الزمن والمكان في التجارة الدولية.

هنا يبرز الطرح التحليلي العميق للأستاذ الذي يضع أصبعه على الجوهر الحقيقي للصفقة الكبرى حيث أرى أن إعادة تأهيل قطاع الطاقة هو الوجه المرئي لمشروع أعظم وهو مشروع الربط السككي والبري الذي يمنح دمشق عوائد الترانزيت الاستراتيجية ويجعلها عصية على العزلة الجيوسياسية.
إن هذه الرؤية تصطدم بواقع شديد التعقيد أمنياً وسياسياً حيث تظل معضلة السيادة المجزأة وهشاشة المشهد الداخلي حجر عثرة أمام تدفق رؤوس الأموال إلا أن رهان الدوحة ودمشق معاً يبدو متجاوزاً لوجع اللحظة الراهنة نحو أفق أوسع يقوم على معادلة أن إعادة دمج سورية في المنظومة الاقتصادية الإقليمية هي الضمانة الوحيدة لاستقرار لا تقوضه الرياح.
اعرف أكثر
الاستعلامات: قائمة القامات المصرية..العصر الذهبي لمصر في الأمم المتحدة
إن ما نشهده هو انزياح في مركز الثقل الدبلوماسي من إدارة الأزمة بمنطق القرارات الأممية والمساعدات الإنسانية إلى بناء الفرصة بمنطق المصالح البنيوية والشراكات طويلة الأمد وهو تحول في صميم الفكر الاستراتيجي الذي طالما نادى به أرباب العقل السياسي البراغماتي.

إن إعادة تعريف دور سورية ليس كمرفق إقليمي طارئ بل كجسر بري يربط الخليج العربي بالأناضول والبوابة الشرقية لأوروبا يمثل نقلة نوعية في الفقه السياسي الإقليمي إذ أن الجغرافيا التي كانت لعنة على أهلها في زمن الحرب تتحول بفعل هذه الهندسة الاقتصادية إلى سلاح استراتيجي في زمن السلم وإعادة الإعمار.
