جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » المحاولات المختلفة للنجاة منها: كيف عقدت حرب إيران الصراع السودانى؟

المحاولات المختلفة للنجاة منها: كيف عقدت حرب إيران الصراع السودانى؟

تحليل/منى عبد الفتاح

جلبت حرب إيران كوارث جديدة معقدة على حرب السودان بكل أبعادها، بين يسار يربط المواجهة بالهيمنة الغربية، وخطاب قومي يغازل مشاريع إقليمية مثل المشروع الإيراني، بدلاً من التركيز على المصلحة العربية المشتركة، ومقاربات أمنية ترى في استقرار المنطقة خصوصاً الخليج العربي أولوية استراتيجية، إلى جانب تيار يسعى إلى تحييد البلاد عن صراعات تتجاوز قدرتها على التأثير.

من مرحلة التقارب السودانى مع إيران، التي اتسمت بتقاطعات أيديولوجية وأمنية، إلى الانفتاح التدريجي على الولايات المتحدة، وصولاً إلى مسار التطبيع مع إسرائيل، شهدت الخرطوم تحولات متسارعة أعادت تعريف أولوياتها وحدود حركتها.

وقد أفضى هذا الانتقال إلى حالة من السيولة الاستراتيجية، إذ لم تترسخ بعد عقيدة خارجية قادرة على ضبط إيقاع التفاعل مع أزمات الإقليم.

٥المحاولات المختلفة للنجاة منها: كيف عقدت حرب إيران الصراع السودانى؟

في هذا السياق، يتداخل الإقليمي بالداخلي، بحكم أن السودان يؤثر ويتأثر بمحيطه الجيوسياسي، فالنخب التي تعيد قراءة الحرب الإيرانية، إنما تفعل ذلك عبر عدسة أزمتها الوطنية، إذ تتداخل حسابات الشرعية والتحالفات وميزان القوة الداخلي مع تقديرات المصلحة الخارجية.

وعلى هذا الأساس، تبدو مواقف هذه النخب انعكاساً مباشراً لمرحلة انتقالية لم تحسم بعد، يتشكل فيها موقع السودان بين ضرورات التكيف مع تحولات النظام الإقليمي وحدود قدرتها على صياغة خيارات حكيمة.

اعرف أكثر

مفاجأة: تطورات إيجابية في المفاوضات وعبدالعاطى لواشنطن لإطالة الهدنة

وسعت الخارجية السودانية إلى بلورة موقف يبدو، في ظاهره، متماسكاً ومنضبطاً ضمن تقاليد الدبلوماسية الحذرة، لكنه يحمل في طياته تعقيدات البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها الدولة السودانية. فقد دانت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، ودعت إلى احترام قواعد القانون الدولي والعودة لمسارات التفاوض.

المحاولات المختلفة للنجاة منها: كيف عقدت حرب إيران الصراع السودانى؟

هذا التوازن الدقيق يعكس، في جوهره، مقاربة القوات المسلحة السودانية، التي تتحرك وفق منطق إدارة الأخطار. ويبرز هنا البعد الجيوسياسي للبحر الأحمر كأحد المحددات الصامتة لهذا الموقف، إذ يتقدم أمن الممرات البحرية واستقرار الإقليم على أي اصطفاف أيديولوجي صريح.

أما ميلشيات “الدعم السريع” وجناحها السياسي تحالف “تأسيس”، فقد دانوا بصورة قاطعة اعتداءات إيران على دول الخليج، واضعين ذلك ضمن إطار أوسع لمواجهة “الإرهاب الإقليمي والدولي”.

اعرف أكثر

بابا الفاتيكان يرد على هجوم ترامب من الجزائر: أنت تسئ لرسالة الإنجيل ويجب وقف الحروب

في المقابل، يكشف المشهد داخل تيارات الإسلام السياسي عن انقسام أيديولوجي يعكس تعدد مرجعياتها، إذ تميل قوى مثل حزب “المؤتمر الوطني” و”المؤتمر الشعبي” و”الحركة الإسلامية” إلى قراءة الصراع ضمن إطار “محور المقاومة”، معتبرة إيران طرفاً في مواجهة مشروع غربي – إسرائيلي أوسع، وهو ما يفسر صدور تصريحات تتحدث عن استعداد لدعم طهران في حال توسع الحرب.

وفي المقابل، تتبنى تيارات أخرى خطاباً مناقضاً، ترى فيه إيران تهديداً مذهبياً واستراتيجياً، مما يفضي إلى تقاطع لافت بين رفضها لطهران ورفضها، في الوقت ذاته، للسياسات الأميركية – الإسرائيلية، في نموذج يعكس ما يمكن وصفه بازدواجية العداء.

لا تعكس هذه المواقف مجرد اختلافات سياسية، بل تكشف عن بنية سودانية منقسمة في إدراكها لمفهوم التهديد ذاته، بين من يراه في إيران، ومن يراه في الهيمنة الغربية، ومن يسعى إلى تفادي كليهما ضمن هامش ضيق من المناورة الاستراتيجية.

اعرف أكثر

الانقلاب الأوروبي يكتمل على تل أبيب وواشنطن..كيف وصل ماغيار لقيادة المجر؟

وعبرت قوى مثل “إعلان قوى الحرية والتغيير” وحزب “المؤتمر السوداني” و”تجمع المهنيين السودانيين” عن رفض مبدئي للحرب كأداة لإعادة تشكيل التوازنات، مع تبني خطاب يقترب من الليبرالية الدولية في تأكيده أولوية الحلول الدبلوماسية ورفض عسكرة النزاعات.

المحاولات المختلفة للنجاة منها: كيف عقدت حرب إيران الصراع السودانى؟

وفي هذا الإطار، دان “تحالف القوى المدنية الديمقراطية” (صمود) الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، واضعاً ذلك ضمن سياق تهديد الاستقرار الإقليمي، من دون أن ينزلق إلى تأييد استهداف إيران عسكرياً.

اعرف أكثر

ترامب يكشف كواليس مفاوضات إسلام أباد والخطوات القادمة

هذا الخطاب يعكس محاولة للحفاظ على مسافة نقدية من جميع الأطراف، والدفع نحو إعادة تعريف السياسة الخارجية السودانية على أسس الاستقلال النسبي، غير أن غياب مواقف تفصيلية خلال ذروة التصعيد يكشف عن حدود قدرة هذا التيار على التحول من خطاب معياري إلى فاعل مؤثر في لحظات الأزمات.

أما “الحزب الشيوعي” السوداني وحزب “البعث العربي الاشتراكي”، فينطلقان من مقاربة صراعية ترى في الحرب حلقة ضمن بنية الهيمنة العالمية. فخطاب “الحزب الشيوعي”، كما عكسته افتتاحيات صحيفة “الميدان”، يعيد تأطير المواجهة باعتبارها “هجوماً أميركياً – إسرائيلياً” على إيران، وامتداداً لسياسات إمبريالية تسعى إلى إعادة فرض السيطرة بالقوة.

المحاولات المختلفة للنجاة منها: كيف عقدت حرب إيران الصراع السودانى؟

وفي هذا السياق، يبرز نمط مألوف في اليسار العربي، تضامن سياسي مع إيران بوصفها طرفاً مناهضاً للغرب، يقابله صمت نسبي أو تردد في إدانة أفعالها الإقليمية، بما في ذلك هجماتها على دول الخليج.

ومع ذلك، لا يخلو هذا الموقف من ازدواجية نقدية، إذ يحرص الخطاب اليساري على التمييز بين دعم “الشعب الإيراني وقواه التقدمية”، وبين التحفظ على طبيعة النظام نفسه، في محاولة للجمع بين مناهضة الهيمنة والحفاظ على سردية ثورية عابرة للحدود.

اعرف أكثر

مواجهات داخلية وصراع إقليمى: طبخة الحرب اللبنانية على نيران متقلبة

في المقابل، تبدو النخب غير الحزبية، من “لجان المقاومة” إلى الأكاديميين والإعلاميين والقيادات الدينية، أقرب إلى فسيفساء متشظية تعكس الانقسام البنيوي في المجتمع السوداني. فبين خطاب تعبوي تغلب عليه العاطفة، خصوصاً في الأوساط الشعبية والدينية، ومقاربات تحليلية أكثر برودة في الدوائر الأكاديمية، يتشكل طيف واسع من المواقف المتناقضة.

إذ تميل بعض الأصوات إلى تأييد إيران ضمن سردية “المقاومة”، فيما تنحاز أخرى إلى رفضها انطلاقاً من اعتبارات مذهبية أو جيوسياسية، بينما يحاول فريق ثالث تفكيك الصراع بلغة المصالح والتوازنات. وفي هذا التعدد، لا يظهر فقط غياب إجماع وطني، بل أيضاً أزمة أعمق في إنتاج معرفة استراتيجية متماسكة، إذ يتقدم الانفعال على التحليل، وتبقى الرؤية السودانية أسيرة تفاعلات الخارج أكثر من قدرتها على إعادة تعريف موقعها داخله.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *