
ولاء إبراهيم
طبيب مصري يقف في قلب الثورة التكنولوجية ويقولها بوضوح: الذكاء الاصطناعي منح الجراح “عيناً ثالثة” وأدوات أدق، لكنه في النهاية مجرد مساعد.. والعقل البشري هو الذي يمسك المشرط ويتخذ القرار.
وبالتالى، هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل الجراح؟
وهل أصبحت الخوارزميات قادرة على تشخيص الكسور والتخطيط للعمليات واكتشاف المضاعفات قبل حدوثها؟
من روسيا يجيبنا الدكتور سامح هدهود بقصة عن “ثورة” أحدثها الذكاء الاصطناعي في أبحاث الجراحة.. وعن خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
الدكتور سامح هدهود يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية في غرف العمليات والأبحاث، بل أصبح شريكاً يوفر الوقت والدقة.. لكنه يبقى أداة في يد الإنسان، لا بديلاً عنه.
اعرف أكثر
“غزو تكنولوجي” يجتاح كل التخصصات الطبية
أحدث الذكاء الاصطناعي غزو لكافة التخصصات كأحد مجالات علوم الحاسب والتكنولوجيا تهدف إلى تطوير أنظمة قادرة على أداء مهام تحتاج عادةً إلى قدرات ذهنية عند الإنسان، مثل التعلّم، والاستنتاج، وتحليل المعلومات، واتخاذ القرار، وأحيانًا الإبداع، لذلك عملت وكالة الأنباء المصرية علي التطلع لمعرفه مدي استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب والجراحة،،
وهنا يجيب علينا من روسيا الدكتور سامح محمد عيسي هدهود باحث دكتوراه في العلوم الطبية تخصص الجراحة، بجامعة الصداقة بين الشعوب الروسية (رودن) بموسكو، خلال حواره مع وكالة الأنباء المصرية|إندكس في هذا الموضوع الشائك بأبعاده المختلفة.

المرحلة 1: قبل العملية.. تحليل أدق وخطة علاج مفصلة
أوضح هدهود إن إستخدام الذكاء الاصطناعي في الجراحة يتم علي ثلاث مراحل أساسية منها قبل العملية، وأثناء العملية، وبعد العملية.
قبل العملية، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الأشعة والفحوصات، والمساعدة في تشخيص الحالة والتخطيط للعملية.
وفند أمثلة في تخصصه جراحات الوجه والفكين قائلاً:
“لو عندي مريض مصاب بكسر في أي جزء من الوجه، بنعمل له أشعة مقطعية، وغالبًا بنستخدم إعادة بناء ثلاثية الأبعاد للصورة علشان نقدر نحدد تفاصيل الكسر ونضع خطة العلاج المناسبة.
وتابع، وأنا كجراح، أو طبيب الأشعة، بقرأ الأشعة وفق معايير معينة تساعدنا في تحديد مكان الكسر وشدته وطريقة التعامل معه،هنا يمكن للذكاء الاصطناعي يساعد من خلال خوارزميات تم تدريبها على كميات كبيرة من البيانات الطبية، فيساعد في تحليل الصور والوصول إلى تشخيص أكثر دقة.
اعرف أكثر
الداخلية: حريق محدود بسور شجري بإحدى القرى السياحية في مطروح بسبب جهاز الناموس ولا إصابات
وأضاف، أنه يمكن أن يساعد الجراح في التخطيط للعملية، مثل تحديد الطريقة الأنسب لإعادة بناء العظام وتحقيق أفضل نتيجة ممكنة، مع تقليل التدخلات أو المواد المزروعة غير الضرورية، عندما يكون ذلك مناسبًا للحالة”.
فضلاً عن إمكانيته في الربط بين نتائج الأشعة والبيانات الطبية والفحوصات المختلفة للمريض، بحيث نتوصل إلى خطة علاج أكثر دقة ملائمة لكل حالة.

المرحلة 2: أثناء العملية.. رؤية أوضح ودقة جراحية متناهية
ثم تطرق دكتور سامح هدهود للحديث تفصيلا لمعايشتنا لدور الذكاء الاصطناعي داخل غرفة العمليات، موضحاً أنه في الجراحة بالمنظار، الجراح لا يرى الأنسجة بشكل مباشر، وإنما من خلال كاميرا موجودة في المنظار، وتنقل الصورة إلى الشاشة أمامه، وهنا يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة الصور لتحسين جودة الصورة، أو إبراز بعض التفاصيل التي قد تساعد الجراح على رؤية الأنسجة بشكل أوضح.
وفي الجراحة الروبوتية، يمكن للأنظمة الروبوتية أن تساعد الجراح في تنفيذ حركات دقيقة جدًا، خصوصًا في العمليات المعقدة أو الأماكن التي يصعب الوصول إليها باليد البشرية. وقد تساعد هذه التقنيات على تحسين دقة الإجراء، وتقليل حجم الجروح في بعض العمليات، وبالتالي قد تساهم في تحسين نتائج الجراحة وسرعة تعافي المريض.
اعرف أكثر
في أول ظهور له بعد الاختفاء بروما: المصارع محمد الشامي يكشف أسباب هروبه ويعتذر لأسرته
وأكد هدهود علي أن الروبوت الجراحي لا يعني بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي هو الذي يجري العملية؛ ففي معظم الاستخدامات الحالية يظل الجراح هو الذي يتحكم في العملية ويتخذ القرارات الجراحية.
المرحلة 3: بعد العملية.. متابعة ذكية واكتشاف مبكر للمضاعفات
أما بعد العملية، فيمكن استخدامه في متابعة حالة المريض، وتحليل البيانات الطبية، والمساعدة في اكتشاف بعض المضاعفات مبكرًا.

من Excel وSPSS إلى Python.. ثورة في الإحصائيات الطبية
وبالنسبة لتأثير البرمجة والذكاء الاصطناعي للإحصائيات الطبية،، أوضح “هدهود” قائلاً: أنه قديمًا كنا بنعتمد على برامج مثل Excel وSPSS في تنظيم البيانات وإجراء التحليلات الإحصائية الخاصة بالأبحاث الطبية، والآن أصبحت لغات البرمجة مثل Python، من الأدوات المهمة في تحليل البيانات الطبية، خصوصًا مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويوضح أن، الميزة إن البرمجة بتساعدنا في التعامل مع كميات كبيرة من البيانات، وتقليل الأخطاء الناتجة عن إدخال البيانات أو تكرار العمليات يدويًا، كما تساعدنا في اكتشاف علاقات وأنماط قد لا تكون واضحة للباحث من البداية.
وأشار هدهود إلى أن ذلك قد يفتح الباب لاكتشاف نتائج أو علاقات جديدة تستحق الدراسة والبحث، لكن في النهاية لابد أي نتيجة يتم التحقق منها إحصائيًا وعلميًا قبل اعتمادها.
اعرف أكثر
دراسة حالة: العلاقة بين ضغط الدم والفتق الإربي
واستشهد الطبيب المصري بروسيا، بأحد الأبحاث التي أجريت علي مجموعة من المرضى المصابين بالفتق الإربي (Inguinal Hernia). ومن خلال مراجعة بيانات المرضى، تمت ملاحظة إن بعضهم لديهم ارتفاع في ضغط الدم، وبعضهم ضغطه طبيعي، وبعضهم لديهم ارتفاع في الضغط بالإضافة إلى أمراض أخرى، وهو ما أدي لطرح سؤالًا: هل فيه علاقة بين ارتفاع ضغط الدم وظهور الفتق الإربي؟
وللإجابة علي ذلك السؤال تم جمع لكل مريض عددًا كبيرًا من البيانات، منها السن، والوظيفة، والطول، والوزن، وحجم الفتق من خلال الفحص والسونار، بالإضافة إلى بيانات طبية أخرى، وبعد تحليل هذه البيانات باستخدام Python والأدوات الإحصائية المناسبة، وجدنا أن ارتفاع ضغط الدم لم يكن مرتبطًا بتأثير مباشر على نتيجة عملية الفتق، لكن ظهرت علاقة بين وجود ارتفاع ضغط الدم وزيادة احتمال وجود الفتق.
فتم توضيح أن كيفية تحليل كميات كبيرة من البيانات ممكن يساعد الباحث في اكتشاف علاقات لم تكن واضحة له في البداية، ثم يفتح الباب لدراستها بشكل علمي أعمق.

QR Code لخدمة الباحثين.. نموذج ذكي قابل للتكرار
وبناء عليه قال الدكتور “هدهود” أن تلك النتائج دفعتنا لبدء التفكير في كيفية جعل نتائج البحث العلمي مفيدة لأجيال الباحثين القادمين، فأشتغلنا كفريق بحثي يضم جراحين ومتخصصين في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، وأخذنا نتائج البحث، مع الاستفادة من عدد كبير من الدراسات السابقة، وطورنا نموذجًا يمكن استخدامه في تحليل بيانات جديدة، ووضعنا طريقة سهلة للوصول إلى هذا النموذج من خلال QR Code. بمعنى إن الباحث في مكان آخر، ولو عايز يعمل دراسة مشابهة، يقدر يدخل على الأداة من خلال الـQR Code، ويدخل البيانات الخاصة بمرضاه، بدل ما يبدأ كل خطوات التحليل من البداية.
وهنا يظهر دور Machine Learning؛ فالنماذج التي تعتمد على التعلم الآلي تستطيع الاستفادة من البيانات السابقة لاكتشاف الأنماط والعلاقات، ثم تطبيق ما تعلمته على بيانات جديدة، وفقًا لطريقة بناء النموذج وتدريبه.
اعرف أكثر
روجها لها الإخوان: الداخلية تكذب شائعات “الإضرابات” داخل مراكز الإصلاح بسبب انتهاكات مزعومة
الخط الأحمر: أداة مساعدة وليست بديلاً عن العقل البشري
ومؤكداً أن الهدف ليس أن نستبدل البحث العلمي، بل إنما نسهّل تكرار الأبحاث وتحليل البيانات، ونوفر للباحثين نقطة بداية يمكن البناء عليها وتطويرها لأن استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي كأداة تساعد، لكن ليس كبديل عن الباحث ولا يمكن أن يحل محل العقل البشري.

فيمكن نستخدمه في تنظيم الأفكار، وتنسيق بعض أجزاء البحث، وتوفير وقت ومجهود كبير في بعض المهام. وحتى في الكتابة، يمكن الباحث يتكلم بصوته، والذكاء الاصطناعي يحول الكلام إلى نص مكتوب، ثم يقوم الباحث بمراجعته وتعديله بنفسه، فالمهم إن الباحث يظل هو المسؤول عن المعلومات والنتائج والاستنتاجات الموجودة في البحث، ويلتزم بالقواعد الأخلاقية والعلمية وسياسة المجلة التي سينشر فيها البحث.
رسالة وفاء من موسكو
وفي الختام، أرسل الدكتور سامح هدهود توجيه رسالة شكر وامتنان لكلا من ا.د ميخائيل شحاتة فخرى، وأ.د أندريه ڤيتالوڤبتش پراتاساف، أساتذة الجراحة في جامعة “رودن” المعروفة بجامعة الصداقة بين الشعوب بموسكو، ذلك عرفانا بالجميل وبفضلهما عليه قائلا “لولاهما بعد فضل رب العالمين ما كنت شئ في روسيا، فقد قدما لي الدعم وفرص الحياة في روسيا والتشجيع على الدخول في أبحاث الذكاء الاصطناعي في التخصص”.
