
ليست كل الخسائر تُقاس بما فقدناه على الأرض، بعض الخسائر تبدأ من شيء لا نراه بسهولة
الوقت ،،،وما أدراك ما الوقت ، أتذكر جدتى لأبى رحمها كانت كثيرا ما تردد القول المأثور : الوقت كالسيف إن لم تقطعة ؟! إيه ؟!
قولوا إنتوا بقى .
وفي ملف سد النهضة، ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب الذي يجب أن نواجهه الآن:
كيف أستثمرنا الوقت ؟
أو بصيغة آخرى ماذا فعلنا بالسنوات التي كانت أمامنا؟
أنا لا أقول إن إثيوبيا لم تكن مسؤولة عن قراراتها، ولا أقلل من خطورة ما قامت به، ولا أبحث عن مبررات لسياسة فرض الأمر الواقع على نهر دولي.لكنني أعتقد أن اختزال الأزمة كلها في «التعنت الإثيوبي» يجعلنا نرى نصف الحقيقة فقط. لأن السد لم يظهر فجأة، والخلاف لم يبدأ بالأمس، والخطر لم يكن مجهولًا، والسنوات التي مرت لم تكن مجرد سنوات على التقويم.

كانت سنوات تحركت خلالها إثيوبيا على الأرض، بينما ظل المسار المصري، في كثير من مراحله، أسيرًا للتفاوض وانتظار الحل الذي لم يأتِ.
وهنا لا بد أن نسأل السؤال الذي قد يكون مؤلمًا، لكنه ضروري:
هل كان التفاوض وسيلة لإدارة الأزمة… أم أصبح في لحظة ما هو الأزمة نفسها؟
لا أحد يطالب بأن يكون البديل هو الحرب، ولا أحد يملك رفاهية التعامل مع قضية بهذا الحجم بمنطق الانفعال أو الشعارات.
لكن بين الحرب والاستسلام مساحات واسعة من أدوات الدولة: الدبلوماسية، التحالفات،الضغط السياسي والاقتصادي، التحرك القانوني، بناء المواقف الدولية، وتغيير موازين المصالح. وربما كان الأهم…هو امتلاك خطة واضحة للتعامل مع أسوأ السيناريوهات، وليس فقط الرهان على أفضلها.

فالمشكلة ليست أننا تفاوضنا لأن التفاوض في حد ذاته ليس خطأ. المشكلة تبدأ حين يتحول التفاوض إلى حالة انتظار مفتوحة، بينما يستفيد الطرف الآخر من كل يوم يمر في تثبيت واقع جديد.وهنا يصبح الزمن نفسه طرفًا في المعركة. فإثيوبيا لم تكن بحاجة إلى أن تحقق كل ما تريده في يوم واحد، كان يكفيها أن تجعل كل سنة تمر وهي تقترب خطوة من الواقع الذي تريده: بناء،ثم تخزين، ثم تشغيل، ثم واقع جديد يصبح التعامل معه أصعب من اليوم السابق. وفي المقابل، كلما تأخرنا في الوصول إلى ترتيبات ملزمة، أصبح هامش الحركة أضيق.
وهذه ليست عاطفة .. هذه طبيعة أي أزمة طويلة:
الطرف الذي يملك القدرة على تغيير الواقع على الأرض، بينما يظل الطرف الآخر منتظرًا اتفاقًا، يدخل كل جولة جديدة من التفاوض من موقع مختلف عن الجولة السابقة.
وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف عن السؤال التقليدي:
ماذا تريد إثيوبيا؟
اعرف أكثر
هل تهدد شاينيوود هوليوود؟: فيلم صيني عن جرائم حرب العراق الغربية يحقق 1.23 مليار يوان في 10 أيام
ونسأل سؤالًا آخر:
ماذا كانت مصر تفعل لمنع تحول ما تريده إثيوبيا إلى أمر واقع؟
السؤال ليس اتهامًا لأحد، وليس دعوة إلى محاكمة الماضي الآن.لكنه سؤال دولة عن دولة.لأن الدول لا تُقاس فقط بنواياها، ولا بعدد الاجتماعات التي حضرتها، ولا بعدد البيانات التي أصدرتها ولكن الدول تُقاس بقدرتها على حماية مصالحها عندما تكون تلك المصالح مهددة.
وقد يكون أكثر ما يؤلم في هذه الأزمة أن كثيرًا من المصريين لم يكونوا يطلبون المستحيل، كانوا يريدون فقط أن يعرفوا:

ما الخطة؟
ما البدائل؟
ماذا يحدث إذا فشلت المفاوضات؟
ماذا يحدث إذا استمرت إثيوبيا في البناء؟
وماذا يحدث إذا أصبحت الوقائع على الأرض أكبر من قدرة الاتفاقات على تغييرها؟
وإذا كانت كل هذه الأسئلة قد طُرحت بالفعل داخل مؤسسات الدولة، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحًا:
أين كانت النتائج؟
أنا لا أكتب هذا لأقول إن مصر كان عليها أن تختار طريقا بعينه.
ولا أملك، مثل كثيرين، كل المعلومات التي كانت متاحة لصانع القرار في غرف التفاوض،لكن من حق المواطن أن يسأل، ومن واجب الدولة أن تجيب.
لأن قضية بحجم النيل لا تحتمل أن يصبح الصمت استراتيجية، ولا أن يصبح الوقت حلًا، لقد مضت سنوات طويلة.
والآن لم يعد السؤال فقط:
كيف نمنع إثيوبيا من استكمال ما تريد؟
اعرف أكثر
8 قرارات حيوية تهم المصريين مررها مجلس الوزراء
بل أصبح:
كيف نستعيد المساحة التي فقدناها خلال سنوات الأزمة؟
وهذا سؤال أصعب.
لأن الزمن الذي مضى لا يعود، والواقع الذي ترسخ لا يُمحى ببيان، والأمر الذي كان يمكن منعه بالأمس قد يحتاج اليوم إلى جهد أكبر بكثير لتطويقه.
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله الآن هو أن نستمر في التعامل مع الأزمة بعقلية الأمس.
نحن أمام واقع جديد.
ويحتاج الواقع الجديد إلى سياسة جديدة، وأدوات جديدة، وحسابات أكثر صراحة، لا نحتاج إلى تخويف المصريين، ولا إلى طمأنتهم بشعارات، ولا إلى تحويل كل سؤال إلى اتهام بالخيانة أو الجهل.

نحتاج إلى الحقيقة.
أين أخطأنا؟
ماذا خسرنا؟
ما الذي ما زال يمكن إنقاذه؟
وما الذي يجب أن نفعله الآن حتى لا ندفع ثمن سنوات أخرى من الانتظار؟
فالخلاف الحقيقي لم يعد فقط على سد، الخلاف على حق مصر في أن تظل صاحبة قرار في قضية تمس حياتها وأمنها ومستقبل أجيالها.
والنيل ليس ملكًا لحكومة، ولا لحزب، ولا لجيل.النيل حق وحياة لملايين المصريين.
اعرف أكثر
قناة السويس تشهد العبور الأول لسفينة الحاويات العملاقة BANGKOK MAERSK بحمولة 190 ألف طن
ولهذا، فإن حماية حق مصر فيه ليست مهمة وزير، ولا مسؤول، ولا مؤسسة وحدها.
إنها مسؤولية دولة بأكملها.
لكن أول شروط المسؤولية…أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأن الوقت الذي مضى كان جزءًا من المعركة. وأننا إذا لم نتعلم كيف ندير الوقت
فقد نجد أنفسنا يومًا مضطرين إلى دفع ثمن الوقت الذي أضعناه.
الكاتبة، مديرة وحدة الثقافة والفنون في وكالة الأنباء المصرية|إندكس
