تحقيق/ علياء الهواري
رصد فريقنا لمتابعة أجواء عيد الأضحى وذبح الأضاحى، تراجع كبير القوة الشرائية بشكل واضح، ففي ظل اشتعال أسعار اللحوم وتكاليف التربية التي تضاعفت خلال الفترة الأخيرة بنسب كبيرة، يشهد سوق الجزارة في مصر تحولات ملحوظة انعكست بشكل مباشر على عادات الاستهلاك، خاصة في مواسم الأعياد التي كانت تُعد ذروة الإقبال على شراء اللحوم والأضاحي.
لم تعد مائدة العيد كما كانت في السابق، حيث تراجع حجم الكميات التي تشتريها الأسر، وتغيرت أولويات الاختيار بين الجودة والسعر، وسط حالة من الضغط الاقتصادي الذي فرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
اعرف أكثر
علاء صادق يورط مجلس الخطيب مع إدارة العاصمة بعد اتهاماته لستاده غير المتعمد من الفيفا
خريطة شراء اللحوم والأضاحى تغيرت
وعلى لسان عدد من الجزارين، كيف تبدلت خريطة الشراء، وما إذا كانت الأسعار وحدها هي العامل الحاسم، أم أن هناك تغيرًا أعمق طال مزاج المصريين وعلاقتهم باللحوم وطقوس العيد.

وفي جولة داخل عدد من محلات الجزارة بالقاهرة الكبري، يوضح الجزار سيد عوض أن السوق تغير بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة وأن الزبائن لم يعودوا يدخلون المحل بنفس طريقة الماضي، حيث كان السؤال عن أفضل قطعة أو أكبر كمية بل أصبح السؤال الأول والأخير مرتبط بالسعر فقط.
ويقول إن الكثير من الأسر أصبحت تشتري كميات صغيرة تكفي احتياجات يوم أو يومين فقط في حين تراجع الإقبال على شراء الأضاحي الكاملة بشكل كبير، مقارنة بما كان يحدث في مواسم سابقة، ويضيف أن حركة البيع في العيد لم تعد تعكس نفس الزخم الذي كان يميز هذه الفترة من العام.

ويشير جزار من القناطر في نفس النطاق إلى أن هذا التغير لم يأت بشكل مفاجئ بل هو نتيجة أزمات اقتصادية مرتبطة بارتفاع أسعار الأعلاف وزيادة تكلفة التربية والنقل والذبح، وهو ما أدى في النهاية إلى رفع أسعار اللحوم في السوق المحلي بشكل جعل المواطن يعيد حساباته قبل الشراء، ويؤكد أن كثيرين أصبحوا يترددون قبل اتخاذ قرار الشراء حتى لو كانت الكمية بسيطة.
اعرف أكثر
الاستفزازات الإثيوبية ضد مصر تدخل ملعبا جديدا مع الترويج لغاز إقليم أوجادين المحتل من الصومال
وفي محل آخر يقول الجزار سعيد إن التغير في السوق لا يرتبط فقط بالأسعار لكنه يعكس تغيرا أوسع في سلوك المستهلك المصري الذي أصبح أكثر حذرا في إنفاقه حتى في المناسبات التي كانت تعتبر تقليديا مواسم للاستهلاك الكبير مثل عيد الأضحى.

ويضيف لفريق تغطية أجواء الأضحى في وكالة الأنباء المصرية|إندكس، أن بعض الأسر أصبحت تعتمد على فكرة المشاركة في أضحية واحدة صغيرة بين عدة أفراد أو عائلات، بينما اختفت إلى حد كبير فكرة شراء أضحية فردية كاملة لدى عدد كبير من الزبائن.
ويقول تاجر مواشي بالبدرشين إن الأسواق كانت بها حركة كبيرة وهمية، مع تراجع القوة الشرائية بشكل واضح خلال هذا العيد بالذات.

ويضيف أن الأزمة ليست في انخفاض الطلب فقط بل في تغير طبيعة الطلب نفسه حيث أصبحت الأولوية للكمية الأقل والسعر الأقل بدلا من الجودة أو نوع القطع، كما كان يحدث في السابق ويشير إلى أن القطع التي تحتوي على عظام أو دهون أصبحت أكثر طلبا لأنها أقل سعرا وتكفي لعدد أكبر من الوجبات، بينما تراجع الإقبال على القطع الفاخرة التي كانت مطلوبة بشدة في مواسم الأعياد السابقة.
وهذا كله وسط قلق الزبائن من نشأة الماشية خاصة وسط انتشار الأمراض، والأمر وصل إلى أن بعض التجار إدعى أن البعض يضطر لذبح الإناث والتى تكون في بداية حملها، للاستفادة من زيادة الأسعار، رغم أن هذا الأمر ممنوع قانونا وإنسانيا.

داخل هذا السياق يبرز الحديث بين العاملين في القطاع حول تأثير ارتفاع أسعار الأعلاف بشكل مباشر على سوق اللحوم حيث يؤكد عدد من الجزارين أن تكلفة تربية المواشي أصبحت عبئا كبيرا على المربين مما دفع بعضهم إلى تقليل أعداد التربية أو اللجوء إلى الذبح المبكر للعجول أو حتى الإناث بهدف تقليل الخسائر الناتجة عن ارتفاع تكلفة التغذية والأدوية البيطرية.
اعرف أكثر
ويحذر البعض من أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤثر على حجم المعروض من الثروة الحيوانية في المستقبل ما قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار خلال السنوات القادمة وهو ما يضع السوق في دائرة ضغط مستمرة بين انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة الإنتاج.

وفيما يتعلق بموسم الأضاحي الذي بدأ منذ صباح الأربعاء ويستمر خلال أيام العيد، يشير الجزارون إلى أن هناك تراجعا واضحا في عدد الأضاحي الفردية مقارنة بالسنوات الماضية حيث أصبحت المشاركة الجماعية بين أكثر من أسرة هي الخيار الأكثر شيوعا في بعض المناطق، بينما اتجه آخرون إلى تقليل الكمية أو الاكتفاء بشراء اللحوم دون الذبح الكامل، وهناك من عزفوا عن اللحوم تماما.
ويؤكد سيد عوض أن بعض الزبائن الذين كانوا يضحون بشكل منتظم كل عام لم يعودوا قادرين على القيام بذلك بنفس الطريقة، وأنهم يبحثون عن بدائل أقل تكلفة للحفاظ على روح العيد دون الدخول في أعباء مالية كبيرة، ويضيف أن هذا التغير أصبح ملموسا بشكل واضح في حركة السوق خلال أيام العيد الأولى.

ورغم هذا التراجع في حجم الاستهلاك إلا أن بعض العادات الغذائية لا تزال ثابتة لدى المصريين حيث يشير الجزارون إلى أن هناك إقبالا مستمرا على بعض القطع مثل الرقبة والريش والكبدة والتي ترتبط بشكل مباشر بوجبة أول يوم العيد، والتي تعتبر جزءا أساسيا من الطقوس الغذائية لدى الأسر المصرية.
اعرف أكثر
بالصور: الأقمار الصناعية تراقب مسار الحجيج والتحرك لعرفة من منى
ويؤكد الجزار سعيد أن الكبدة على وجه الخصوص ما زالت تحتفظ بمكانة خاصة على موائد العيد حيث يتم إعدادها في صباح أول يوم باعتبارها جزءا من طقوس الاحتفال التقليدية حتى في ظل تراجع كميات الشراء بشكل عام.

ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وتغير أنماط الاستهلاك يصف العاملون في القطاع سوق اللحوم بأنه سوق يعيد تشكيل نفسه بشكل كامل، حيث لم يعد يعتمد على الوفرة أو الكميات الكبيرة بل على قرارات شراء محدودة تعكس قدرة كل أسرة بشكل مباشر.
وبينما تتغير ملامح السوق يظل العيد حاضرا لكن بشكل مختلف حيث لم تعد المائدة ممتلئة كما كانت في السابق لكنها ما زالت حريصة على الحفاظ على الحد الأدنى من الطقوس التي تمنح الأسر شعورا بالاحتفال حتى في ظل الضغوط الاقتصادية.

ويضيف الجزارون الذين إلتقينا معهم، أن السوق لن يعود بسهولة إلى ما كان عليه في السابق، طالما استمرت نفس الضغوط المرتبطة بتكلفة الإنتاج والأسعار، وأن التغير الحالي قد يكون بداية لمرحلة جديدة في علاقة المصريين باللحوم والاستهلاك خلال المواسم.
ورصدنا فريق المتابعة زحاما واضحا على اللحوم المستوردة رغم عدم رضاء الزبائن عنها، وإضافة مستويات جديدة لها، لم تكن تتردد عليها قبل ذلك، حيث كانت تهتم باللحوم البلدية، التى تضاعفت أسعارها بشكل كبير جدا، رغم عدم جودتها بالأساس.
اعرف أكثر
لتعميق الثقة: الشرطة توزع الورود على المواطنين في الشوارع احتفالا بالعيد
ووفق تقديرات الخبراء الاقتصاديين الذين اطلعوا على تعليقات التجار والجزارين الذين إلتقينا بهم، فلا يبدو أن ما يحدث في سوق اللحوم في مصر مجرد تغير موسمي مرتبط بالأعياد بل هو انعكاس مباشر لتحولات اقتصادية أوسع أثرت على قدرة الأسر الشرائية.

وحسب تقييم الخبراء، أعادت تشكيل أولويات الإنفاق بشكل واضح فبين ارتفاع الأسعار وتزايد أعباء المعيشة باتت مائدة العيد أقل امتلاء مما كانت عليه في السابق لكن دون أن تختفي بالكامل إذ ما زال المصريون يحاولون الحفاظ على الحد الأدنى من طقوسهم الغذائية والاجتماعية حتى لو بكميات أقل أو بطرق مختلفة.
اعرف أكثر
شيماء وأحمد..خلافات زوجية وصلت لمحاولة الانتحار والتهديد بالقتل واتهامات الشرف
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية يبقى السؤال مفتوحا حول مستقبل هذا السوق ومدى قدرة المواطنين على الاستمرار في التمسك بعاداتهم المرتبطة بالعيد في ظل واقع اقتصادي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم.
