
خلال السنوات الأخيرة، كان احتكاكي بالكنائس غير القبطية واسعاً، والتقيت بأشخاص من خلفيات مختلفة. وكان يلفت انتباهي أن بعضهم لا يتوقف عن انتقاد أقباط مصر واتهامهم بالتشدد أو الانغلاق.
في إحدى المرات، أخبرتني سيدة أن عائلتها من أصول سورية فلسطينية، وأن جدها جاء إلى مصر بعد حرب 1948 واستقر فيها. عندها سألت نفسي: لماذا اختار مصر؟ ولو لم يكن في مصر مجتمع قبطي كبير وعريق ومتجذر، هل كانت هذه العائلة ستجد المكان نفسه الذي تندمج فيه وتبدأ حياة جديدة؟
الحقيقة أن كثيراً من الأسر المسيحية القادمة من بلاد أخرى عاشت وسط الأقباط وأصبحت جزءاً من التعداد المسيحي المصري. لم تُعامل كغرباء، بل اندمجت في المجتمع وعاشت فيه بأمان واستقرار. بل إن كثيراً من هذه العائلات ارتبطت بالمجتمع القبطي بالمصاهرة والزواج، وأصبح أبناؤها وأحفادها جزءاً من هذا النسيج الاجتماعي.
لذلك أستغرب عندما أرى بعض أحفاد هذه العائلات يجعلون من انتقاد الأقباط عادة دائمة. فمن عاش وسط مجتمع احتضنه، وتزوج من أبنائه وبناته، وأصبح جزءاً منه، كان الأولى به أن يتذكر ذلك قبل أن يهاجمه أو ينظر إليه باستعلاء.
وقد ذكّرني هذا اللقاء بما يحدث اليوم. فمصر تستقبل أعداداً كبيرة من الوافدين الهاربين من الحروب والأزمات، كما فعلت دائماً عبر تاريخها. وما يميز المصريين هو طيبة القلب وفتح الأبواب أمام من يبحث عن الأمان والاستقرار دون النظر إلى دينه أو أصله.
لكن ما يحزنني أحياناً هو أن نرى بعض الأصوات التي لا تتوقف عن انتقاد البلد الذي استقبلها وفتح لها أبوابه. وهذا يطرح سؤالاً بسيطاً: هل هذا هو رد الجميل؟
لذلك أقول: قبل أن تنتقدوا أقباط مصر، اشكروهم. واشكروا مصر أيضاً. فالكثير من العائلات وجدت هنا الأمان والاستقرار والفرصة لبناء حياة جديدة، وأقل ما يمكن تقديمه في المقابل هو الإنصاف والامتنان وعدم نسيان من فتح لكم بابه في وقت الشدة.
*الكاتب، مخرج قبطى
