
حين تتحول الأسرة إلي ساحة جدل قانوني فيجب على الجميع أن يبحث عن قانون بصيغة عادلة، فلا يوجد قانون بقالب ثابت لا يقبل المراجعة أو التعديل ، فالقوانين بطبيعتها أدوات لتنظيم المجتمع ، وهي تخضع للتطوير والتعديل، كلما ظهرت ثغرات أثناء التطبيق العملي.
ومن المنطقي أن تتقدم الحكومة إلى البرلمان بمشروعات قوانين جديدة أو تعديلات على القوانين القائمة عندما ترصد قصوراً في التطبيق أو تعارضاً مع الواقع الاجتماعي ، هذه القاعدة العامة تنطبق
على جميع القوانين لكن اللافت للنظر أن قانوناً واحداً ظل الأكثر إثارة للجدل وأكثر عرضة للتعديل على مر العصور.
اعرف أكثر
هل نسميه ملف بسنت؟: جدل ساخن في نقاش وحدة القضايا الإجتماعية بإندكس حول قوانين الأسرة المرتقبة
الأحوال الشخصية..القانون الأكثر تعديلا
وهو قانون الأحوال الشخصية ، الذي يكاد لا يمر عليه عقد من الزمن إلا ويعود إلى دائرة النقاش من جديد مصحوباً بانقسام حاد بين الأطراف المعنية به ، بداية بإلغاء تدخل السلطة التنفيذية في إعادة الزوجه لبيت الطاعة ، مرورا بقانون الخلع و ما أعقبه من
جدل ديني و قانوني و مجتمعي ، إنتهاء بحرمان الممتنع عن سداد النفقة من الدعم الحكومي و بعض الخدمات الحكومية.

في كل مرة تُطرح تعديلات جديدة ، نجد اعتراضاً من أحد طرفي العلاقة الزوجية ، وأحياناً من الطرفين معاً، فالرجل يرى أن التعديلات تميل لصالح المرأة على حسابه ، والمرأة ترى أن التعديلات لا تحقق العدالة الكافية ولا توفر لها الحماية الأسرية لحفظ التوازن وتحقيق الاستقرار .
السؤال المهم
وهذا الوضع يطرح سؤالاً مهماً و هو لماذا ظل قانون الأحوال الشخصية تحديداً الأزمة ، وبين هذا و ذاك يتحول القانون إلى ساحة صراع اجتماعي و قانوني ، بدلاً من أن يكون إطاراً منظماً للعلاقة أكثر القوانين إثارة للجدل ؟! ولماذا لم يستقر حتى الآن على صيغة تحقق التوازن بين الحقوق والواجبات ؟! ، هل هناك صعوبة في ذلك ؟!.
اعرف أكثر
النائبة أميرة صابر قنديل تسطر: درة تاجى هذا العام..وردود قادة البنك الدولى وصندوق النقد على أسئلتى
الإجابة تكمن في طبيعة هذا القانون نفسه ، فهو القانون الذي ينظم أدق العلاقات الإنسانية ، العلاقة بين الزوج والزوجة، وما يترتب عليها من حقوق والتزامات ، وما يحدث عند الانفصال من إجراءات وحقوق مالية و نفقات ورعاية الأطفال.

علاقة لها أبعاد معقدة
هذه العلاقة لا يمكن التعامل معها كعلاقة تعاقدية عادية بل هي علاقة لها أبعاد اجتماعية ودينية وأخلاقية ، ولذلك فإن أي تعديل في هذا القانون لا يُنظر إليه باعتباره إجراء قانوني فقط ، بل يُنظر إليه باعتباره مساس بمنظومة القيم الأسرية والدينية في المجتمع.
و يجب أن يتطابق القانون مع أحكام الشريعه الاسلامية، وهنا ايضاً يظهر التساؤل المشروع، أين دور المؤسسات الدينية في هذا الجدل المتكرر؟! ، وأين تعديلات الأزهر الشريف على القانون ؟! وأين رؤية شركائنا في الوطن من الأخوة المسيحيين باختلاف طوائفهم ؟!
اعرف أكثر
بالصور والفيديو: روائية توثق عملية اعتداء عليها واقتحام منزل الزوجية وسرقته..وتتهم والد إبنها
المرجعية الدينية والحسابات السياسية والضغوط المجتمعية
فإذا كان الزواج والطلاق محكومين بأحكام دينية واضحة ، فإن أي تعديل تشريعي ينبغي أن يستند إلى مرجعية دينية واضحة ، لا إلى اجتهادات فردية أو ضغوط مجتمعية أو حسابات سياسية.
فالمجتمع المصري مجتمع متدين بطبيعته ، وقانون الأحوال الشخصية يستمد مشروعيته في الأساس من أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة للمسلمين، ومن التعاليم الكنسية بالنسبة للمسيحيين.

وبالتالي فإن أي تجاهل لهذه المرجعية سيؤدي بالضرورة إلى رفض مجتمعي واسع ، علاوة علي الطعن في دستورية القانون حتي بعد تطبيقه .
جوهر الزواج والطلاق
الزواج والطلاق في جوهرهما محكومان بأحكام دينية تبدأ من عقد القرآن ، الذي يقوم على الإيجابية والقبول والولي والشهود ، وتمتد إلى تنظيم الحقوق المالية بين الزوجين ، وصولاً إلى الطلاق وما يترتب عليه من نفقة وعدة وحضانة ورؤية ،
بل وحتى الحقوق بعد الوفاة من ميراث ووصية وغيرها ، هذه الأحكام ليست مجرد قواعد إجتماعية ، بل هي أوامر شرعية
محددة ، تستند إلى نصوص واضحة ومبادئ عامة ، وقد جعلت الشريعة الإسلامية الطلاق آخر الحلول ، وربطته بقاعدة
أساسية هي ) إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وهي قاعدة تحاول الحفاظ على كرامة الطرفين ، حتى في حالة الانفصال.
اعرف أكثر
بعد 48 ساعة من الرصد: كيف عثر الأمن على خاطفة مولودة مستشفي الحسين الجامعى في منزلها بمدينة بدر؟
لا يظلم طرفا لحساب آخر
ومن هنا فإن أي قانون ينظم هذه العلاقة يجب أن يلتزم بهذه القاعدة ، فلا يظلم طرفاً لحساب الآخر، ولا يحاول إرضاء
طرف بإهدار حقوق الطرف الآخر ، فالتشريع لا ينبغي أن يكون أداة الانحياز، بل وسيلة لتحقيق التوازن. وإذا خرج التشريع
عن هذه القاعدة ، وذهب إلى منح امتيازات مبالغ فيها لطرف دون الآخر، فإن ذلك سيؤدي إلى خلل في التوازن الأسري ،

وربما إلى زيادة معدلات النزاع بدلاً من تقليلها، ورغم ذلك يجب الاعتراف بوجود مشكلات حقيقية في قانون الأحوال الشخصية المعمول به حالياً، وهي مشكلات ظهرت بوضوح في التطبيق العملي .
الولاية التعليمية وتعقيداتها، نموذجا
ومن هذه المشكلات ما يتعلق بالولاية التعليمية ، وما يترتب عليها من خلافات بين الأب والأم بعد الانفصال ، خاصة في ما يتعلق باختيار المدرسة أو نقل الطفل من مدرسة إلى أخرى ، وهناك أيضاً مشكلات تتعلق بالرؤية ، حيث يرى بعض الآباء أن نظام الرؤية الحالي لا يحقق لهم حقهم الطبيعي في متابعة أبنائهم.
بينما ترى بعض الأمهات أن توسيع الرؤية قد يؤثر على استقرار الأطفال ، كذلك توجد مشكلات تتعلق بالنفقة ، وتأخر تنفيذ الأحكام ، وصعوبة تحصيل الحقوق المالية ، وهي أمور تخلق حالة من التوتر المستمر بين الطرفين، و يجب أن تحسم في أي تعديل للقانون .
اعرف أكثر
بعدما تحول لقضية رأى عام: محافظة الإسماعيلية ترد على صاحب الكشك الذي حرقه في بث مباشر
المقترحات الجذابة إعلاميا
بعض هذه المقترحات تطرح أفكاراً جذابة إعلامياً، لكنها تثير إشكالات قانونية ودستورية عند التطبيق. من ذلك مثالً معظم المقترحات المقدمة لتعديل القانون جاءت بعيدة عن أحكام الشريعة ، أو على الأقل لم تستند إلى دراسة فقهية.

ومقترح منح الزوجة نسبة معينة من ثروة الزوج بعد الانفصال ، وهو مقترح لم تذكره الشريعة الإسلامية في أحكامها ، حيث حددت الشريعة حقوق الزوجة المالية بوضوح في المهر والنفقة والمتعة والمؤخر، ولم تربطها بحجم ثروة الزوج ، و أن إدخال مثل هذا المقترح قد يفتح الباب لمنازعات واسعة حول تقدير الثروة ، وقد يؤدي إلى استخدام الزواج كوسيلة للحصول على مكاسب مالية ، وهو ما يتعارض مع فلسفة الزواج في الشريعة.
حبس الزوج..هل يحقق الهدف؟
كما طُرح أيضاً مقترح بحبس الزوج في حالة الامتناع عن دفع النفقة ، وهو مقترح يثير جدالً كبيراً، لأن الحبس قد يؤدي إلى
عكس الهدف المرجو ، فإذا تم حبس الزوج فقد يفقد عمله ، وبالتالي يصبح غير قادر على دفع النفقة أصلا.
كما أن العقوبة الجنائية في مسائل مدنية قد تزيد من حدة النزاع ، بدلاً من حل المشكلة، ولذلك فإن معالجة مسألة النفقة ينبغي أن تكون من خلال آليات تنفيذ فعالة ، مثل اقتطاع النفقة مباشرة من الدخل ، أو إنشاء صندوق لدعم النفقة ، بدلاً من اللجوء إلى الحبس كحل أول ووحيد للدفع .
اعرف أكثر
مكافحة الجريمة العابرة للحدود في دورة الرقابة الإدارية لتدريب الكوادر العربية
الشعبية السياسية ومخاطبة فئات معينة
وهذه المقترحات وغيرها تعكس في كثير من الأحيان محاولة للحصول على شعبية سياسية ، أو مخاطبة مشاعر فئة معينة من
الناخبين ، دون دراسة متعمقة لآثارها القانونية والاجتماعية، فالقانون لا ينبغي أن يُصاغ تحت ضغط الشارع أو في ظل منافسة سياسية ، بل يجب أن يكون نتيجة حوار مجتمعي واسع ، تشارك فيه المؤسسات الدينية والقانونية واالجتماعية ، للوصول إلى
صيغة متوازنة تحقق العدالة والاستقرار.

ومن المهم التأكيد على أن تحقيق العدالة بين الطرفين لا تعني بالضرورة منح امتيازات إضافية لطرف علي حساب الآخر ، بل يعني تطبيق مبدأ التوازن ، فالزوج يتحمل التزامات مالية واضحة تشمل النفقة والسكن والمصاريف التعليمية والعالجية.
مسؤوليات متبادلة
وفي المقابل يتمتع بحقوق تتعلق بالولاية والرعاية والمتابعة، والزوجة تتمتع بحقوق مالية ومعنوية ، بينما تتحمل مسؤوليات تتعلق برعاية الأبناء والحفاظ على استقرار الأسرة.
اعرف أكثر
تطور خطير كشفت عن التحقيقات في استغاثة طفل لإنقاذ أمه من الانتحار
هذا التوازن هو الذي يحقق الاستقرار، وأي إخلال به يؤدي إلى خلل في العلاقة الأسرية، كما أن مصلحة الطفل يجب أن تكون في مقدمة الاعتبارات عند أي تعديل للقانون.
آثار الخلافات على الأبناء
الخلاف بين الزوجين يجب ألا ينعكس على الأبناء ، لأنهم الطرف الأضعف في هذه المعادلة ، ومن ثم فإن تنظيم الحضانة والرؤية والولاية، يجب أن يتم بما يحقق مصلحة الطفل أولا، لا مصلحة الأب أو الأم فقط.

وقد أثبتت التجارب أن النزاعات الطويلة بين الوالدين تؤثر سلباً على الأطفال نفسياً واجتماعياً، ولذلك فإن أي قانون يجب أن يسعى إلى تقليل النزاع لا إلى تأجيجه.
الحلول العملية في أزمة الرؤية
التفكير في حلول عملية ، مثل تنظيم الاستضافة بدلاً من الرؤية القصيرة ، مع وضع ضوابط واضحة تحمي الطفل ، كما يمكن تطوير نظام النفقة ليكون أكثر سرعة في التنفيذ ، وإنشاء آليات للوساطة الأسرية قبل اللجوء إلى القضاء ، لتقليل النزاعات.
اعرف أكثر
قالت أن التبرعات للمصريين والدعم للاجئين: بيان منتصف الليل يضاعف غضب المصريين ضد حياة كريمة
كذلك يمكن إعادة النظر في بعض الإجراءات التي تطيل أمد التقاضي ، وتؤدي إلى إرهاق الطرفين ، ولا يمكن إغفال دور الثقافة المجتمعية في هذه القضية ، فالقانون وحده لا يكفي لحل المشكلات الأسرية ، فالكثير من النزاعات تنشأ بسبب سوء الفهم أو غياب ثقافة الحوار أو التدخلات العائلية.
إصلاح ثقافي فالزواج ليس معركة
ولذلك فإن إصلاح قانون الأحوال الشخصية يجب أن يواكبه إصلاح ثقافي، يعزز قيم المسؤولية المشتركة ، ويؤكد أن الزواج ليس معركة بين طرفين بل شراكة تقوم على التعاون ، مع ضرورة مشاركة المؤسسات الدينية في صياغة التعديلات أمر ضروري ، لضمان توافق القانون مع الأحكام الشرعية.

فالأزهر الشريف، بما يملكه من خبرة فقهية واسعة ، يمكن أن يقدم رؤية متوازنة تستند إلى اجتهادات فقهية ، وكذلك الطوائف المختلفة بالنسبة للمسيحيين ، حيث تختلف قواعد الزواج والطلاق لديهم وفقاً لكل طائفة، و إدماج هذه الرؤى في التشريع سيؤدي إلى قانون أكثر
قبول مجتمعياً.
الجدل سيظل قائما
أخيرا و ليس آخراً، فإن الجدل حول قانون الأحوال الشخصية سيظل قائماً ما دامت هناك اختلافات في الرؤى ، لكن الحل لا يكمن في الانحياز لطرف على حساب الآخر، بل في صياغة قانون عادل ومتوازن ، يستند إلى الشريعة، ويستجيب للواقع ، ويحفظ كرامة الجميع ، فالقانون الناجح ليس الذي يرضي طرفاً واحداً، بل الذي يحقق الاستقرار للأسرة ، ويصون المجتمع من التفكك والفوضي.
