جاءنا الآن
الرئيسية » نشرة الأخبار » دعاء فؤاد تسطر: قضية الرضا..المصريون وجري الوحوش مع مغريات فوضي السوشيال ميديا!

دعاء فؤاد تسطر: قضية الرضا..المصريون وجري الوحوش مع مغريات فوضي السوشيال ميديا!

دعاء فؤاد

أعتقد أن الكاتب الكبير محمود أبو زيد حين كتب فيلمه الجريء “جري الوحوش”، لم يكن يناقش المال أو المرض أو الطمع فقط، بل كان يطرح قضية أعمق: قضية الرضا.

الإنسان الراضي بما كتبه الله له، المدرك لقيمة ما يملكه، قد يكون أسعد الناس ولو كان ما في يده قليلاً. أما من يظل ينظر إلى ما في أيدي الآخرين، ويقيس حياته بما يملكون، فقد يخسر أغلى ما لديه بحثاً عن سعادة موهومة.

اعرف أكثر

 سفينة التغييز “إنرغوس وينتر” التى تعرضت للهجوم بمسيرة تغادر لأسبانيا للإصلاح حتى نهاية أكتوبر

حين ذهب عبد القوي – الذي جسده محمود عبد العزيز – ليبيع قطعة من جسده مقابل المال، لم يكن يعلم أن سعيد أبو الدهب – الذي جسده نور الشريف – لو وُضع أمامه مال الدنيا كله، فلن يعوضه عن الجزء الذي فقده.

دعاء فؤاد تسطر: قضية الرضا..أشياء إذا بعتها فلن تستطيع شراءها!

هنا تكمن قسوة الرسالة: هناك أشياء إذا فقدناها من أجل المال، فلن يستطيع المال مهما كثر أن يعيدها.

ولو انتقلنا إلى السوشيال ميديا، سنجد الصورة أكثر تعقيداً. ليس كل ما يُقال هناك عفوياً. كثير من التريندات والمنشورات، حتى الساخرة منها، تحمل رسائل مقصودة تؤثر في تفكيرنا دون أن نشعر.

اعرف أكثر

بعد لقب الشركة الأكثر تطورا عالميا: السيسي يهنئ مصر للطيران ويؤكد إنجاز يعكس قوة المصريين

مع ظهور سيارة باهظة أو هاتف جديد كالآيفون بأسعاره الضخمة، تنتشر نكات عن شخص يبيع أحد أعضائه ليشتريه. نضحك ونشارك ونعلق، لكن خلف الضحكة رسالة تستحق التوقف.

ماذا يحدث حين يتطلع الإنسان باستمرار إلى ما لا يستطيع تحمل تكلفته؟

يبدأ الأمر برغبة في هاتف أحدث، ثم سيارة أغلى، ثم ملابس أفخم، ثم نمط حياة يراه يومياً على الشاشة. حتى يصبح ما يملكه قليلاً في عينه مهما كان كافياً، ويصبح ما لا يملكه هو مقياس نجاحه وسعادته.

دعاء فؤاد تسطر: قضية الرضا..أشياء إذا بعتها فلن تستطيع شراءها!

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

حين لا يستطيع شراء ما يريد بماله، قد يدفع الثمن من أشياء أخرى. قد يبيع مبادئه، أو يتنازل عن أخلاقه، أو يدخل في علاقات لا تشبهه، أو يعيش فوق قدرته، أو يرهق نفسه وأسرته من أجل صورة اجتماعية.

والأخطر أن يتحول من شخص يريد أن يعيش حياة جيدة، إلى شخص يريد فقط أن يبدو وكأنه يعيشها، حتى لو كانت مزيفة.

وهنا تكمن خطورة السوشيال ميديا. هي لا تعرض حياتنا كما هي، بل تعرض اللحظة المنتقاة، والصورة الأجمل، والسيارة الجديدة، والسفر والمطاعم والاحتفالات، ثم تترك المشاهد يقارن يومه العادي بكل تلك اللقطات.

مع الوقت، يشعر أن حياته أقل من غيره، ليس لأنه يعيش حياة سيئة، بل لأنه يقارن كواليس حياته بواجهة حياة الآخرين.

اعرف أكثر

تساؤلات حول مصير الأموال الساخنة الداعم الوهمى: لماذا تتفق بنوك الاستثمار على تثبيت الفائدة في مصر رغم مفاجأة الفيدرالى الأمريكى؟

وهنا يأتي دور الفن الحقيقي.

الفن ليس مجرد ترفيه، ولا يُطلب من كل عمل أن يقدم موعظة مباشرة. أجمل ما فيه أنه يضع أمامنا سؤالاً كبيراً في صورة حكاية، ويترك لنا الإجابة. وهذا ما فعله “جري الوحوش”.

لم يقل لنا ببساطة: ارضوا بما لديكم. بل جعلنا نرى بأعيننا إلى أين يصل الإنسان حين يتحول الطمع إلى هوس، وحين يصبح ما لا يملكه أهم من كل ما يملكه فعلاً.

الفن الجيد يحمل نصيحة تبقى. قد تشاهد فيلماً منذ سنوات، ثم يعود إليك مشهد منه بعد وقت طويل لأنك مررت بموقف جعلك تفهم معناه الحقيقي. العمل الحقيقي لا ينتهي بانتهاء المشاهدة، بل يعيش معنا ويكبر مع تجاربنا.

دعاء فؤاد تسطر: قضية الرضا..أشياء إذا بعتها فلن تستطيع شراءها!

وربما تكون رسالتنا اليوم في عصر السوشيال ميديا أبسط مما نتخيل:

لا تجعل ما يملكه غيرك يجعلك تحتقر ما في يدك.

الرضا لا يعني التوقف عن الطموح. يعني أن تسعى دون أن تفقد نفسك في الطريق. اطمح واعمل وطور نفسك واحلم، لكن لا تدفع ثمن أحلامك من أخلاقك أو كرامتك أو صحتك أو سلامك النفسي.

اعرف أكثر

محمد مجادلة يسطر: شيزوفرنيا نتنياهو..يهاجم أيزنكوت “المتراجع” وهو يقلده في نفاق بدو إسرائيل

هناك أشياء تستطيع شراءها بالمال، وأشياء أخرى إذا بعتها، فلن تستطيع شراءها مرة أخرى.

وهنا تظل رسالة “جري الوحوش” حاضرة رغم مرور السنوات: ليس كل ما نريده يستحق أن ندفع ثمنه من أنفسنا. فنحن نستطيع امتلاك الكون كله بإحساس الرضا.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *