
وفاة الطبيب الذي أوقف الإنسولين لمرضى النوع الأول من السكر قد أحزنني كثيرًا، فلقد توفاه الله صغيرًا بجلطة في القلب كان من الممكن تجنبها لو لم يتبع ما نصح الناس به.
ولكن مرضه العقلي الواضح، الذي كان من الممكن أيضًا أن يعالَج منه، جعله مؤمنًا إيمانًا شديدًا بأوهامه وخيالات عقله، لا يحيد عنها، ويتحدى الجميع لإثبات صحتها دون دليل علمي واحد. ومأساة هذا الطبيب يجب أن تظل درسًا نتعلم منه جميعًا حتى لا يتكرر الخطأ نفسه مرارًا.
لقد كان هذا الطبيب -من وجهة نظري- ضحية لأربعة أشياء:
١- هو أولًا ضحية لمرضه العقلي الواضح جدًا للمتخصصين في الأمراض النفسية والعقلية، ولقد تحدثتُ إلى السيد نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي بخصوصه، مطالبًا بضرورة علاجه.
وقلت إنه يستحق الشفقة والمساعدة لمرضه، ولقد قام السيد النقيب مشكورًا بعدة محاولات -أعرفها- باءت جميعها بالفشل، كما قمت باستشارة أحد الأصدقاء من كبار المتخصصين في مثل هذه الحالات، فأكد لي صعوبة إقناعه بتلقي العلاج، فهذه الحالات لا تعترف بالمرض، ولا تبحث عن العلاج من تلقاء نفسها.
كان من الصعب أيضًا إيقافه عن أذى المرضى بما يقول ويدّعي، فهو يملك كاميرا تليفون في يده يبث من خلالها تهيؤاته واعتقاداته الخاطئة في فضاء مفتوح وغير مراقب، فكان يجب على النقابة أن تمنعه من مزاولة المهنة، وحسنًا فعلت.
٢- وثانيًا هو ضحية أباطرة الإعلام والـ”سوشيال ميديا” الذين وجدوا فيه وسيلة ذهبية للتربح وصناعة التريند، فنرى كثيرًا من البودكاست معه بمشاهداتهم الكبيرة لأنه يقول ما ليس معهودًا ومألوفًا، ويخالف العلم والعرف والمنطق.
وكلما تطاول وصرخ وهاجم -لمرضه العقلي- ملؤوا جيوبهم أكثر، فلا يهمهم منه سوى أن يستمر فيما يقول ويهذي، وهم يعلقون ويصورون ويقبضون، حتى أصبح ظاهرة لا يمكن انكارها. دفعوه دفعًا الى حافة الهاوية بتهور وبلا فهم أو شفقة أو رحمة.
٣- وثالثًا هو ضحية للمتابعين له، والمصدقين لخرافاته، فهم الذين نسجوا قصص المؤامرات ضده من شركات الأدوية والأطباء والنقابة والوزارة والجامعة، حتى صدقها هو نفسه، وآمن بها، وتصور أنه ضحية للمتكاتفين ضده، مما زاد من اضطرابه النفسي والعقلي.
لم ينصحه أحد منهم، ولم يمنعه أحد، ولكن اكتفوا جميعًا بدفعه إلى الهاوية بتصديق ما يقول، والترويج الواسع له، والدفاع المستميت عنه. وهو ما يعكس خللًا كبيرًا في هذا المجتمع وتشريعاته يجب دراسته وتصحيحه.
٤- ورابعًا -والأهم- هو ضحية نفسه؛ فقد استهتر بخطر التدخين المثبت تأثيره الضار على الشرايين، خاصة شرايين القلب والمخ، كما استهتر بارتفاع نسبة السكر في الدم، وهو ما يؤدي إلى التسمم السكري glucotoxicity، كما أن استمراره في الصيام الانتقائي مهلك للجسد، فلربما رفع هذا الصيام درجة حموضة الدم، مما قد يسبب اضطرابًا في ضربات القلب، أو توقفه، وتدهور في أملاح الجسم، وكذلك تعرضه للجفاف الذي يزيد من لزوجة الدم.
وقد يؤدي إلى تجلطه، مضافًا إلى حرمان جسمه من كثير من الفيتامينات والأملاح المهمة والألياف، ليتحول كما رأينا إلى خيال شاحب متحرك بعد أن فقد الكثير من عضلات جسمه لسوء التغذية.
فكيف لا يصاب إنسان بجلطة في شرايين القلب أو المخ إذا لم يعالج من ارتفاع الكوليسترول لأنه لا يصدق ضرره؟ وكيف لا يصاب بجلطة وهو لم يتوقف عن التدخين المدمر للشرايين ويراه هواء يدخل ويخرج بلا ضرر؟
وكيف لا يصاب بجلطة وهو لا يأبه بارتفاع السكر وضرره الكبير على جميع أجهزة الجسم ويشجع عليه؟ بل كيف لا يصاب بجلطة وقد امتنع عن الماء، وربما أصابه الجفاف من جراء ذلك، وهو ما قد يؤدي إلى تخثر الدم والجلطات؟
إن عواقب عدم الاعتراف بالعلم ومقاومته والاستهتار به وبالمرض وعلاجه وخيمة جدًا.
أتمنى من قلبي ألا يكرر أحد ما فعله هذا الطبيب في نفسه وأن نتعلم جميعًا من مأساته المفجعة، فلقد خلق الله الداء وهدانا بالعلم الى الدواء، فيكف ننكر الداء ونرفض الدواء؟!
رحمه الله وغفر له، وتجاوز عما فعله في نفسه وفي غيره، فلا يستحق منا الآن الا الدعاء له بالرحمة.
