
مع احتفالاتنا بذكرى ثورة يوليو، بما لها وما عليها، يجب أن يدرك الجميع أن الانتماء للوطن ليس مجرد شعور عاطفي أو كلمات تُقال في المناسبات الوطنية، وإنما هو علاقة مسؤولية متبادلة بين الإنسان ووطنه، تقوم على الإحساس بأن نجاح الوطن هو نجاح لكل مواطن، والحفاظ عليه يبدأ من احترام القانون، وإتقان العمل، وصون الممتلكات العامة، وقبول الاختلاف. فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو ذاكرة وهوية ومستقبل نستحق أن نبنيه معًا.
غرس روح الانتماء في الأطفال والشباب لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالممارسة والقدوة، فالأسرة هي المدرسة الأولى للانتماء، يليها دور المدرسة والإعلام والثقافة والفنون والعمل التطوعي، باعتبارها أدوات تصنع أجيالًا تشارك في بناء المستقبل ولا تكتفي بمشاهدته.
أما الكتابة الصحفية فليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هي صناعة للوعي وتشكيل للرأي العام، والصحافة التي تبرز النماذج الإيجابية، وتناقش التحديات بموضوعية، وتطرح الحلول، تعزز شعور المواطن بأنه شريك حقيقي في صناعة مستقبل وطنه.
وأحد أكبر التحديات يتمثل في الخلط بين الانتماء والتأييد المطلق، والانتماء الحقيقي لا يتعارض مع النقد المسؤول، بل إن النقد الموضوعي الهادف إلى الإصلاح يعد من أسمى صور حب الوطن.
ويجب التحذير من خطورة المعلومات المضللة والاستقطاب على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك يضاعف مسؤولية الكاتب في تحري الحقيقة واحترام وعي المتلقي.
وبالطبع، الكتابة الصحفية قادرة على تجاوز الانقسامات المجتمعية عندما تركز على القيم المشتركة التي تجمع المواطنين، وتحترم التنوع، وتفتح مساحات للحوار، بعيدًا عن الإقصاء وخطابات الكراهية، لأن المجتمع لا يتماسك بإلغاء الاختلاف، وإنما بإدارته باحترام ومسؤولية.
ولدي رسالة إلى الشباب، أدعوهم فيها إلى عدم ربط حب الوطن بالأشخاص أو بالمراحل السياسية، فالأوطان أكبر من الجميع، وأن المشاركة والإبداع والعمل والإخلاص هي التعبير الحقيقي عن الانتماء.
اختلفوا، وناقشوا، وانتقدوا، لكن لا تسمحوا لأحد أن يحول اختلافكم إلى كراهية أو إحباط، فالأوطان لا يبنيها اليائسون، وإنما يبنيها الذين يؤمنون بأن كل خطوة صادقة، مهما كانت صغيرة، تصنع فرقًا حقيقيًا.
والانتماء ليس خطابًا يُلقى، ولا علمًا يُرفع في المناسبات فقط، بل هو مسؤولية يومية، وعمل مخلص، وإيمان راسخ بأن بناء الإنسان هو الطريق الحقيقي لبناء الأوطان، وأن كل فكرة صادقة، وكل عمل متقن، وكل يد تمتد للبناء، هي في حقيقتها فعل انتماء ورسالة أمل لمستقبل أفضل.
