
“أزمة الحوار العام” إذا زادت عن الحد الذي وصلت إليه الآن ستمثل خطراً لن تمكن مواجهته ، وستكون له آثار جسيمة على سلامة واستقرار المجتمع والدولة .
لم تكن تلك مبالغة كونها – في تقديري – تستند إلى شواهد واقعية ذكرتها:
= قضايانا ومشاكلنا الكبرى والحقيقية لا تأخذ المساحة المقبولة في النقاش العام .
= لا توجد قنوات طبيعية وسليمة ومفتوحة للحوار ، تتيح للمجتمع أن يرى واقعه كما هو دون تهويل ولا تهوين ، ودون أوهام ولا تخدير ولا تجاهل .
= في ظل ذلك تفاجئنا قرارات وأحداث ومتغيرات داخلية وخارجية ، لا نجد لها شرحاً كافياً ولا تفسيراً مقنعاً .
= النتيجة أننا نأخذ انطباعات ومواقف قائمة على انفعالات لحظية (لا تقدير واقعي) متأثرين بأنصاف معلومات وتكهنات من ناحية ، و حملات موجهة وشائعات من ناحية أخرى ، في غياب نقاش عام حر وموضوعي ومسئول .
= الخلاصة .. نحن نحتاج إلى أن يكون المجتمع الآن في قمة تماسكه واطمئنانه وثقته في نفسه وفي الدولة بكل سلطاتها ومؤسساتها ، وهذا لن يحدث مالم تكن قنوات التواصل سليمة ومفتوحة من الجانبين .
الأسبوع الماضي وللمرة الثانية خلال أقل من شهرين تحدث الرئيس عن ضرورة فتح المجال أمام الحوار العام والرأي والرأي الآخر ، وأعطى توجيهات وتكليفات واضحة للحكومة بذلك .
وفي توجيهاته الأخيرة كلف الرئيس الحكومة بإعداد تقرير كامل عما تم إنجازه فعلياً في كل قطاعات الدولة متضمناً حجم الإنفاق والنتائج المُحَقَقَة ، وعرضه على المواطنين في مؤتمر عام يقام خلال أكتوبر القادم .
ومايجب الإنتباه إليه هنا هو تأكيد الرئيس على أهمية ألا يكون هذا المؤتمر من طرف واحد (الحكومة) وفي اتجاه واحد (الحكومة تتحدث والرأي العام يسمع) ، فقد جاء التكليف الرئاسي واضحاً :
“أطلب من الحكومة والمثقفين والمفكرين وكل المهتمين بمصر وشؤونها خلال هذا المؤتمر ، أن يتم تناول كل ماتم تنفيذه خلال السنوات الماضية ، وأدعو المواطنين المهتمين لمتابعة هذا المؤتمر” ،
و ” أطلب من الحكومة أن تستفيض في طرح الموضوعات المختلفة ، ونعطي الفرصة للمفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعة للمشاركة ، ليكون فرصة لعرض الموضوعات والتحديات والمشروعات التي تم تنفيذها لمدة أسبوع أو عشرة أيام” ، و “نتحدث بشفافية ومصداقية”.
وكررها الرئيس بوضوح : “سيمثل المؤتمر فرصة للدولة والحكومة للتحدث مع المواطنين” .
وإلى أن يقام هذا المؤتمر الذي نأمل جميعاً أن يأتي محققاً لجميع التكليفات التي وجّه بها الرئيس ، يمكن أن نضع مجموعة أسئلة قد يكون من المفيد طرحها :
= هل يجب أن تُنقل جميع جلسات مؤتمر أكتوبر إعلامياً ، كاملة دون انتقاء ولا اجتزاء ؟ .. نعم
= هل نحتاج أن يكون الحوار العام متضمناً جميع الآراء والتيارات الوطنية والقوى الشعبية ، مفتوحاً طول الوقت وليس قاصراً على مناسبات معينة ؟ .. نعم
= هل التحديات التي تواجهنا تتطلب إعلاماً يتمكن من مناقشة القضايا الكبرى والقرارات والأحداث المهمة داخلياً وخارجياً في إطار حر ومسئول؟ .. نعم
= هل يجب أن يظهر الوزراء والمسئولين في وسائل الإعلام للتفاعل مع الرأي العام للشرح والتوضيح والإجابة عن جميع التساؤلات وإدارة الأزمات دون الإكتفاء بالبيانات الرسمية وتصريحات المتحدثين الرسميين فقط ؟ .. نعم
= هل لابد أن يعود الإعلام لأداء دوره في الرقابة المجتمعية وأن يكون الجسر الذي يصل عبره صوت المواطن ؟.. نعم
= هل نحتاج إلى فتح المجال إعلامياً أمام الشخصيات البرلمانية والحزبية بكافة إنتماءاتهم للحديث في الشأن العام ؟ .. نعم
= هل يحتاج المواطن أن يقتنع أن له مصلحة في كل ماتقوم به الدولة والحكومة وأن حضوره قائم و مشاكله لها أولوية وصوته واصل ومؤثر في اتخاذ القرار ؟ .. نعم
= هل غياب كل ماسبق يؤكد أن الإعلام يواجه أزمة عدم مصداقية؟ .. نعم
أخيراً .. فإن تكليفات الرئيس الأسبوع الماضي ، وماسبقها من تكليفاته الإعلامية والسياسية الواضحة والحاسمة في كلمته بافتتاح مقر القيادة الاستراتيجية ، تعطي رسائل ثقة واطمئنان للمجتمع ، وتضع الدولة والحكومة أمام مسئولية مهمة حان وقتها ، وتفتح باباً واسعاً أمام خروج الحوار العام من أزمة طالت .
