
هناك أشياء إذا ذهبت، لا تعيدها الأموال، ولا تعوّضها المشروعات، ولا يصلحها اعتذار.
وهناك أشياء لا تكمن قيمتها في ثمنها، وإنما في عمرها، وفي الحكايات التي تحملها، وفي المعنى الذي تركته أجيال كاملة وراءها.
ولذلك، حين قرأت موقف اليونسكو من مقترح تعديل حدود القاهرة التاريخية، لم أتوقف عند الخبر بوصفه إجراءً إداريًا يتعلق بخطوط على خريطة، وإنما توقفت عند السؤال الأعمق:
حين نقتطع جزءًا من التاريخ، هل نغيّر مبنى فقط؟
أم نقتطع جزءًا من ذاكرتنا؟
وربما جزءًا من ذواتنا؟
اعرف أكثر
محمد قريش يسطر: حسام حسن “ميت يتنفس” كشف اللجان المتحكمة في الوسط الكروى
فالقاهرة التاريخية ليست مجموعة من المباني القديمة التي يمكن النظر إليها باعتبارها بقايا زمن مضى، وإنما هي نسيج حيّ تختلط فيه طبقات متراكمة من تاريخ مصر؛ من الفسطاط والقاهرة الفاطمية، إلى العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية. شوارع وبيوت ومساجد وأسواق مرّت بها أجيال، وعاشت فيها قصص بشر، وتركت في حجارتها شيئًا من روحها.
نحن لا نقف أمام تاريخ محفوظ في كتاب… نحن نسير فوقه.
وقد أدرجت اليونسكو القاهرة التاريخية على قائمة التراث العالمي منذ عام 1979، باعتبارها نسيجًا عمرانيًا وتاريخيًا متكاملًا، لا مجرد مجموعة من الآثار المتفرقة. وفي قرارها الأخير بشأن الموقع، لم تعتمد اللجنة ببساطة مقترح تعديل الحدود، بل طلبت استكمال التوثيق والدراسات والتقييم الميداني قبل النظر في أي تعديل للحدود أو المناطق العازلة.
اعرف أكثر
خلية المجارى المريبة: حقيقة محاولة اغتيال نتنياهو في نيويورك
وهنا تحديدًا أرى أن السؤال يجب أن يتجاوز حدود الخبر.
أنا مع التنمية. ومع التطوير. ومع أن تبني مصر مستقبلًا يليق بها وبأبنائها.

فليس من المنطقي أن نحكم على أجيال قادمة بأن تعيش في مدينة متوقفة بحجة الحفاظ على الماضي.
لكن التنمية ليست بالضرورة خصمًا للذاكرة، كما أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميد الحياة.
الدول التي تعرف قيمة نفسها تستطيع أن تفعل الأمرين معًا:
أن تبني المستقبل، من دون أن تهدم الطريق الذي أوصلها إليه.
وهنا تأتي مسؤولية من يملك القرار.
ففي مكان بهذه القيمة، لا يكفي أن نسأل: ما تكلفة المشروع؟ ومتى ينتهي؟ وما العائد منه؟
اعرف أكثر
على نفقة التبرعات: حقيقة الفندق الذي طلبته أم يوسف الطفل مريض ضمور العضلات خلال علاجه بقطر
هناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية:
ما قيمة هذا المكان في ذاكرة مصر؟
ماذا يمكن أن نخسره إذا تغيرت ملامحه؟
وهل توجد بدائل تحقق أهداف التنمية دون أن ندفع ثمنًا تاريخيًا لا يمكن استرداده؟
هذه ليست أسئلة ضد الدولة، ولا ضد التنمية، ولا ضد أي مشروع.
بل هي، في جوهرها، أسئلة وطنية خالصة.
فالوطنية ليست أن نحب مصر حين تبني فقط، وإنما أن ننتبه أيضًا إلى ما قد تفقده وهي تبني.
ولذلك فإن مسؤولية القرار في مدينة تاريخية لا يمكن أن تكون هندسية أو اقتصادية فقط؛ إنها مسؤولية ثقافية وحضارية وأخلاقية أيضًا.
واللافت، والمؤلم في الوقت نفسه، أن تأتي منظمة دولية لتذكّرنا بقيمة شيء يفترض أننا أول من يعرف قيمته.
نحن أبناء حضارة… فكيف نحتاج إلى من يذكّرنا بأن لدينا حضارة؟

القاهرة ليست مجرد أرض يمكن إعادة تخطيطها، ولا مجرد مساحة يمكن النظر إليها من زاوية الاستثمار وحدها.
الحجر هنا ليس جمادًا… الحجر ذاكرة.
وكل جيل يمر على مصر لديه امتحانه الخاص.
وامتحان جيلنا ليس فقط: ماذا سنبني؟
بل أيضًا: ماذا سننجح في الحفاظ عليه ونحن نبني؟
لأن مصر ليست مشروعًا يبدأ وينتهي بتسليم الأعمال.
مصر حكاية عمرها آلاف السنين، ونحن لسنا ملاكها الحقيقيين؛ نحن مجرد فصل عابر في كتاب طويل جدًا.
اعرف أكثر
قمة المعارضة الإسرائيلية التى قلبت تل أبيب.. شعارها إسقاط نتنياهو أولاً
استلمناها من أجيال سبقتنا، وسنسلمها إلى أجيال لم تأتِ بعد.
ومن حق الأجيال القادمة أن تجد مصر أكثر تطورًا، وأكثر قدرة على الحياة، وأكثر استعدادًا للمستقبل.
لكن من حقها علينا أيضًا أن تجد مصر التي عرفناها؛ بتاريخها وملامحها وذاكرتها.
أنا أحب مصر بما يكفي لأن أريد لها أن تتقدم.
وأحبها بما يكفي لأن أخشى عليها من تطوير يجعلها في النهاية أحدث… ولكن أقل شبهًا بنفسها.

فلنبنِ.
ولنطوّر.
ولنفتح أبواب المستقبل.
لكن لنتذكر، ونحن نفعل ذلك، أن هناك أشياء إذا فقدناها لن نستطيع بناءها مرة أخرى، مهما امتلكنا من مال أو أدوات أو إرادة.
فأخطر ما يمكن أن نخسره في القاهرة ليس حجرًا ولا مبنى ولا شارعًا فحسب.
اعرف أكثر
رئيس أركان الجيش الإثيوبي يبرر الانهيار بوقوف مصر والسودان وراء جبهات التحرير
أخطر ما يمكن أن نخسره هو المعنى الذي جعل هذا الحجر، وهذا المبنى، وهذا الشارع… جزءًا من مصر.
ومصر التي علّمت العالم معنى الحضارة،
تستحق أن يكون مستقبلها امتدادًا لذاكرتها… لا اختصارًا لها.
