
حوار: ولاء إبراهيم
لم تكن كلية العلوم هي حلمها الأول، بل كانت الرغبة رقم 24 في استمارة التنسيق. واليوم، تقف الدكتورة رضوى عباس مصطفى السلاموني، أستاذ الكيمياء الفيزيائية التطبيقية بمعهد بحوث البترول، في قائمة Top 1000 Scholar لعام 2026، وتحتل المركز الأول على مستوى مصر، والمركز 577 على مستوى العالم في مجال حفازات إصلاح الميثان.
رحلة بدأت من القاهرة، ومرت بالسعودية، وانتهت بالعالمية، دون أن تغادر معملها في مصر.
البداية: أب يقدّس العلم.. وأم تعلّم اللغة
وُلدت رضوى في القاهرة، وأصولها من مركز تلا بمحافظة المنوفية. نشأت وتلقت تعليمها في المملكة العربية السعودية حتى الثانوية، بسبب عمل والدها مدرساً للكيمياء، ووالدتها مدرسة للغة العربية.
اعرف أكثر
كان والدها حاصلاً على ماجستير من جامعة الملك عبد العزيز، ودكتوراه من جامعة عين شمس، شغفاً بالعلم. تقول: “كان والدي محباً للقراءة وداعماً لفكرة العلم والتعلم كشيء مقدس، لدرجة أنه كان يجلب لي كتب المناهج المصرية للاستزادة العلمية، وعندما كنت أحصل على امتياز في أي اختبار شهري، كان يكافئني بهدية”.
وشجعها على الإذاعة المدرسية، وكان يستمع إليها وهي تلقي المقدمة ويناقشها، فبنى فيها مهارة الإلقاء منذ الصغر.

حصلت في الثانوية على 98%، لكن نظام تنسيق المغتربين رشحها لكلية العلوم بجامعة عين شمس، الرغبة رقم 24. فقررت أن تثبت نفسها فيها “طالما هي إرادة الله”.
كانت اللغة الإنجليزية عائقاً في البداية في المصطلحات العلمية، لكن أساتذة الكلية، وكانوا “قامات علمية تحارب الدروس الخصوصية”، دفعوها للاعتماد على نفسها. وتذكر منهم الدكتورة انتصار، أستاذ الرياضة، والدكتور سيد ثابت، أستاذ الكيمياء الفيزيائية، والدكتور محمد صبري عبد المطلب، أستاذ الكيمياء غير العضوية.
اعرف أكثر
في أضخم طرح بتاريخ البورصة المصرية: رئيس الوزراء يفتتح جلسة التداول على أسهم “بنك القاهرة”
تخرجت بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف، والثانية على دفعتها. وأحزنها عدم تعيينها معيدة، لأن القسم اكتفى بتعيين الأولى فقط، لكنها تقول: “أنا لا أعرف اليأس”.
ماجستير بـ200 جنيه.. وزواج وسفر وضغط لا يتوقف
التحقت بتمهيدي الماجستير في الكيمياء الفيزيائية، وقُبلت سريعاً دون اشتراط الانتماء لجهة بحثية، لأنها من أوائل الدفعة.
وبعد تدريب قصير في هيئة النظائر المشعة، تقدمت للعمل في معهد بحوث البترول بمقترح “التحول الحفزي للغاز الطبيعي لإنتاج غاز التخليق”، بإشراف الدكتورة سهام التمتامي، وقُبلت كطالبة منحة، ثم ثُبتت بعد عام بوظيفة “أخصائي كيميائي” ضمن قرار تعيين أوائل الخريجين.

أكبر عائق كان مادياً: أكاديمية البحث العلمي كانت تعطي الطالب نحو 200 جنيه شهرياً، دون أن تغطي تكاليف البحث نفسه. فاقترح والدها، رحمه الله، أن تجلب الأدوات من مالها الخاص، وهو ما جعلها، رغم الصعوبة، تتعرف على تفاصيل الأدوات بدقة.
وتزامن ذلك مع زواجها وإنجاب ابنتها الكبرى. كانت تتواجد في مصر عدة أشهر لإنجاز جزء من البحث، ثم تسافر لزوجها في السعودية بحكم عمله. ضغط نفسي وأسري كبير، تدين فيه بالفضل لزوجها الذي “تحمل الكثير من السفر والتنقلات والمصاريف”.
اعرف أكثر
مدبولي يلتقي مفتي الجمهورية..والإعلان الأبرز: إطلاق “حَصِين” بأكثر من 10 ملايين فتوى وذكاء اصطناعي
وكانت من أوائل من أنتجوا الهيدروجين في تلك الفترة، حين لم تكن أجهزة توصيف الحفازات المتاحة حالياً موجودة. درست التفاعلات لكل مكونات الغاز الطبيعي، وعلى رأسها الميثان الذي يشكل حوالي 90% منه، على 3 حفازات، وبـ3 درجات حرارة و4 سرعات فراغية مختلفة، حتى حصلت على الهيدروجين وأول أكسيد الكربون.
حصلت على الماجستير بعد 5 سنوات، ونُشر البحث في مجلة دولية معتمدة. وبعدها بعامين عُينت “مساعد باحث”، وبدأت الدكتوراه في مجال التحفيز الضوئي Photocatalysis، تحت إشراف الدكتور أحمد قدري أبو الغيط، رحمه الله، وكانت ثاني باحثة تحصل على الدكتوراه في المعهد بهذا التخصص.
الطريق إلى العالمية: الميثان.. والإيثانول.. وجهاز يقرأ كل 13 ثانية

بعد الدكتوراه، استقرت في مصر، وبدأ شغفها بالغازات وتكوين مجموعات عمل لعمليات الإصلاح Reforming. وحدثت طفرة في دراسة الحفازات، وأنشأ المعهد مركزاً متخصصاً للحفازات النانومترية وتوصيفها.
ومع اتجاه العالم نحو الهيدروجين كطاقة بديلة، تغيّر منظور التحول الحفزي: إما إصلاح جاف باستخدام ثاني أكسيد الكربون لإنتاج غاز التخليق، خليط أول أكسيد الكربون والهيدروجين المستخدم في البتروكيماويات، أو إصلاح بخاري لزيادة إنتاج الهيدروجين.
اعرف أكثر
بالصور..أساطير التسعينيات يُشعلون ليلة “اخترنا لك” الإستثنائية بمهرجان الفسطاط
عملت مع زميل لها على “التحول البخاري للإيثانول” لإنتاج الهيدروجين، باعتباره متاحاً بسهولة من المخلفات الزراعية، ونُشرت لهما أبحاث ممتازة في Royal Society of Chemistry.
ثم دخلت في تحضير الحفازات، فحضّرت أكسيد التيتانيوم بطرق مختلفة، وعرضته على أشعة جاما للحصول على جزيئات بحجم النانو أصغر، لإزالة الملوثات العضوية من المياه.
وجاء التمويل لعمليات الحفز الجاف للميثان، فعادت للموضوع بتنوع كبير في الحفازات، ولأول مرة استُخدم جهاز Analyzer لقياس الغازات الخارجة، يعطي قراءات فورية كل 13 ثانية، “مما أحدث طفرة وسرعة في إنجاز الدراسات وحققت نتائج كثيرة”.
وهذا هو الموضوع البحثي الذي حصلت فيه على المركز الأول على مستوى مصر، والترتيب 577 على العالم.
اعرف أكثر
جدالات الأسبوع السياسية والإعلامية والرياضية وحتى العسكرية في حلقة جديدة من إعلام عمرو وإسلام
براءتا اختراع من المخلفات: قصب السكر يتحول إلى كربون نشط
شغلها الشاغل، كما تقول، هو “تثمين المخلفات الزراعية”. فالمخلف الزراعي عبء بيئي، ويمكن تحويله إلى حفاز أو داعم لتحميل أكاسيد المعادن عليه، فتخلّص البيئة من ملوث، وتستخدمه لإزالة ملوث آخر.

البراءة الأولى: تحضير “الكربون النشط” من مخلف زراعي مثل قصب السكر وقش الأرز ومخلفات الطحالب بطرق كيميائية. والكربون النشط يُستخدم بكثرة في الصناعة وتنقية المياه، ويمكن استعماله وحده لإزالة العناصر الثقيلة، أو كداعم للحفاز بدلاً من استخدام أكسيد التيتانيوم وحده المكلف، فيزيد نشاط الحفاز في إزالة الملوثات العضوية، كالصبغات والمواد البترولية، حتى تتكسر تماماً وتتحول إلى ثاني أكسيد الكربون ومياه.
وتدين بالفضل في هذا الاتجاه للعالم الجليل الدكتور صلاح عبده، رحمه الله، أستاذ الحفازات بجامعة عين شمس.
البراءة الثانية: تحضير “السائل النانومتري لأكسيد التيتانيوم باستخدام عامل مشتت صوديوم دوديسيل سلفات وتطبيقه في معالجة الماء الملوث”.
اعرف أكثر
د.عائشة بدوى تسطر: على نواياكم ترزقون ياميار وياسمين
الشغف الحالي: من المعمل إلى المصنع.. وتحويل CO2 إلى غاز طبيعي
شغفها الحالي، كما تقول، هو “تجربة حفازات قابلة للتطبيق في البيئة الصناعية وتوظيفها للوصول إلى السوق والإنتاج التجاري”.
لذلك تركز دراساتها على إنتاج الكربون النشط والسيليكا، والكيمياء الخضراء في إنتاج أكاسيد المعادن، بطرق تحضير بسيطة وسهلة التكرار، كالخلط الكيميائي، لتتمكن الصناعة من تكرارها بسهولة.
ومؤخراً، عملت على شيء جديد: تحويل ثاني أكسيد الكربون لإنتاج الغاز الطبيعي، في عملية عكسية، بأخذ CO2 كملوث للهواء وتفعيله مع الهيدروجين فيما يعرف بـ CO2-methanation، لإنتاج غاز طبيعي مخلّق نقي، يمكن حقنه مباشرة في أنابيب الغاز الطبيعي الموجودة بالفعل، واستخدامه كوقود. “كون أني أنتج غاز طبيعي بيور، هذا أمر مهم للغاية ويفيد الصناعة كثيراً”.

لماذا تتأخر مصر؟ إجابتها: الصناعة لا تتبنى البحث مبكراً
ترى السلاموني أن مصر تزخر بالباحثين المتميزين، لكن البحث العلمي بطبيعته “سابق لوقته”، حتى تتمكن الشركات الصناعية من استيعابه وتطبيقه.
وتضرب مثلاً بنفسها: فكرة الماجستير الخاصة بها نالت عليها جائزة بعد 20 سنة، لأنها كانت سابقة لعصرها.
وتقول: “الباحث لا يُجهز في يوم وليلة، وإعداد الكوادر يأخذ وقتاً كبيراً جداً، والباحث يحتاج دعماً مالياً. فكرة ربط الصناعة بالبحث مهمة للغاية لكي توفر للباحث الجو الذي يجعله يتفرغ ويشتغل على استكمال بحثه”.
اعرف أكثر
وتؤكد عبارتها الأهم في الحوار:
“لو اتجهت الشركات الصناعية لتبني الأفكار البحثية منذ إجراء الباحث لها، سيؤدي ذلك إلى طفرة في سرعة تطبيقها على أرض الواقع، ولم تكن حبيسة في الأدراج”.
“معملي لا يقل عن معامل الخارج”
سُئلت: هل فكرتِ في السفر للعمل في الخارج؟
أجابت: الفكرة ليست عروضاً بل رغبة وتقديم، وأنا لم أفكر في مغادرة مصر لارتباطي الأسري، لكن من خلال تعاوني بالمراسلة وتحكيم الأبحاث والدعوات العلمية مع باحثين دوليين، تيقن لي تماماً أن “معملي الذي أجري عليه أبحاثي لا يقل شأناً عن المعامل البحثية بالخارج، والدليل اجتياز أبحاثي للعالمية. فالعالم أصبح قرية صغيرة، وشغلي من مصر وصل للعالمية”.

أم وباحثة.. بعد السادسة مساءً تبدأ الكتابة
سُئلت عن أبنائها، وهل شعروا بتقصيرها؟
أجابت: “بالعكس تماماً! مجالي جعل أبنائي أكثر التزاماً وحباً للعلم والاجتهاد وإثبات الذات”.
اعرف أكثر
كانت تقضي وقت العمل الذي يمتد أحياناً للسادسة مساءً حسب ظروف التجارب، ثم تعود للبيت لتهتم بشؤونه ومتابعة مذاكرة أبنائها، وبعد أن يخلدوا للنوم، تسهر هي على كتابة الأبحاث وصياغتها.
الدكتورة رضوى السلاموني، على حوار كشف مسيرة باحثة مصرية استطاعت، بحب العلم والعزيمة، أن تحفر اسمها عالمياً، من معمل في مصر، دون أن تغادره.
