جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » د.عبد الرازق سليمان يسطر: من هم فلسطينيو الداخل وكيف نحمى أقسام اللغة العبرية في مصر؟

د.عبد الرازق سليمان يسطر: من هم فلسطينيو الداخل وكيف نحمى أقسام اللغة العبرية في مصر؟

د. عبد الرازق سليمان

في خضم الحديث عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، تردد كثيرا اسم “عرب 48”, أو فلسطينى الداخل، الذين فازوا بـ19 مقعدا. لكن السؤال الذي لم يُطرح كما يجب هو: من هم هؤلاء؟ وكيف وصلوا إلى الكنيست؟ وما الفرق بينهم وبين غيرهم من الفلسطينيين؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفا أكاديميا، بل ضرورة وطنية. فالجهل بهذه التفاصيل هو ما يصنع سوء الفهم، ويحوّل قضية شعب يعيش تحت الاحتلال إلى صورة مشوشة في أذهان العامة.

 من هم عرب 48 أو فلسطينيو الداخل؟

هم الفلسطينيون الذين بقوا في أرضهم بعد نكبة عام 1948، وأصبحوا يعيشون داخل حدود ما يعرف اليوم بدولة إسرائيل، ويحملون جنسيتها الإسرائيلية، ويحملون جوازات سفر إسرائيلية، رغم أنهم عرب مسلمون ومسيحيون ودروز، ولغتهم العربية، وانتماؤهم الفلسطيني لم يتغير.

د.عبد الرزاق سليمان يسطر: من هم فلسطينيو الداخل وكيف نحمى أقسام اللغة العبرية في مصر؟

هم ليسوا مستوطنين، ولا صهاينة، ولا جنود احتلال. هم أصحاب أرض بقوا فيها، ففرضت عليهم ظروف التاريخ أن يعيشوا داخل كيان الاحتلال، وأن يتعاملوا مع مؤسساته، وأن يشاركوا في انتخاباته، وأن يدخلوا الكنيست ليُسمعوا صوتهم من الداخل، ويدافعوا عن حقوقهم وعن قضيتهم.

وحصولهم على 19 مقعدا يعني أن صوتهم أصبح كتلة مؤثرة في المشهد السياسي الإسرائيلي، لا يمكن تجاوزها عند تشكيل أي حكومة، ولا عند اتخاذ أي قرار يخصهم ويخص الفلسطينيين جميعا.

وهذا هو الدرس الأول: ليس كل من يحمل جواز سفر إسرائيليا عدوا، وليس كل من يعيش داخل حدود 48 خائنا أو متصهينا.

قصة وقعت بالفعل أمام مسجد سيدنا الحسين

ولكي ندرك خطورة الجهل بهذه الحقيقة، نروي قصة حقيقية وقعت أمام مسجد سيدنا الحسين، رضي الله عنه، في القاهرة.

كان الحاج محمد أبو عماد، وهو من عرب 48، ومعروف لنا في سفارتنا في تل أبيب، في زيارة معتادة للقاهرة. زار مسجد سيدنا الحسين، وصلى الظهر، وزار المقام، وغادر المسجد وهو يلبس حذاءه على الباب، فسقط جواز سفره من جيبه على الأرض.

د.عبد الرزاق سليمان يسطر: من هم فلسطينيو الداخل وكيف نحمى أقسام اللغة العبرية في مصر؟

وما إن شاهد الحضور نجمة داود السداسية وكلمة “إسرائيل” على الجواز، حتى انهالوا عليه ضربا بالأحذية، وشتائم من نوع: “يا صهيوني نجّست الجامع، يا قاتل، يا استيطاني، نجّست أرض مصر والحسين”.

ولم ينقذه من هذا الموقف إلا شاب دارس وفاهم، قال لهم: “إنه أخ مسلم طاهر، ولكن ظروفه جعلت بلده داخل كيان الاحتلال”.

وانتهى الموقف نهاية جميلة، إذ استضافه إخوته المصريون طوال اليوم: غداء كوارع في مسمط قرب الحسين، ثم كفتة وكباب في حاتٍ، ثم شاي وقهوة وحلويات.

وانتهت الرواية بكلمة واحدة: شاب فاهم.

وهنا بيت القصيد: لولا هذا الشاب الفاهم، لتحولت زيارة رجل مسلم لمقام جده الحسين إلى مأساة، بسبب جهل بحقيقة بسيطة: أن عرب 48 إخوتنا، يعيشون ظروفا فرضت عليهم، لا اختاروها.

ضرورة الفهم والشرح والتنوير

من هنا، نوجه رجاء إلى أساتذة وباحثي اللغة العبرية والدراسات اليهودية والإسرائيلية، وإلى الإعلاميين جميعا:

عرّفوا الناس والعامة: من هم عرب 48؟ وكيف يعيشون؟ ومن هم؟

فالتنوير ليس رفاهية، بل واجب وطني. وإذا كان شاب واحد فاهم قد أنقذ موقفا، فكيف بملايين المصريين والعرب إذا فهموا حقيقة إخوتهم في الداخل الفلسطيني؟

د.عبد الرزاق سليمان يسطر: من هم فلسطينيو الداخل وكيف نحمى أقسام اللغة العبرية في مصر؟

أقسام اللغة العبرية.. ليست أقسام لغة فقط

وهذه كلمات بحق أقسام اللغة العبرية، أقولها بفخر، فأنا أتشرف بأن دراستي، الليسانس والماجستير والدكتوراه، كانت من قسم اللغة العبرية بجامعة عين شمس.

وهي كلمات موجهة لمن يريدون حصر دراسات هذه الأقسام في اللغة فقط، بعيدا عن توظيفها لخدمة الأمن القومي المصري، كما تفعل أقسام اللغة العربية في الكيان، وخاصة في جامعة تل أبيب، حيث تدرس العربية لا حبا فيها، بل فهما لعدوها وتوظيفا لها في خدمة مشروعها.

وهناك من ينظر إلى أقسام اللغات الشرقية بعين تقلل منها أو تلغيها، لا قدر الله. وهنا أقول: إن دور اللغة العبرية وآدابها وتاريخ الاحتلال كان له أثر بالغ في نصر أكتوبر، عندما يكون الجندي فاهما عدوه. وهذا كان دور مجندي أقسام اللغة العبرية في حرب الاستنزاف وحتى 6 أكتوبر 1973.

د.عبد الرزاق سليمان يسطر: من هم فلسطينيو الداخل وكيف نحمى أقسام اللغة العبرية في مصر؟

 الجندي الفلاح الذي عرف عدوه

وقد جاء في رواية أحد الأسرى الإسرائيليين، أنه أمسك به جندي مصري، يبدو أنه فلاح، يداه خشنتان، ولهجته شعبية، وقال له بالعبرية: “إيه جابك هنا يا أحمر يا ابن الصفراء لأرضنا السمرة؟”

فاستغرب الأسير كيف عرف هذا الفلاح أنه أشقر، وأن والده وجده من بولندا، وهو بالفعل كذلك.

هنا نقول: هذا هو دور اللغة العبرية ورجالها. جندي فاهم لغته وعدوه، يعرف من أمامه، ويعرف أصله، ويعرف كيف يخاطبه بلغته، فيرعبه قبل أن يأسره.

وبالمناسبة، الأسير نفسه كان يجيد العربية، وهذا ما جعله يفهم ما قاله الجندي المصري، ويفهم الرسالة كاملة.

د.عبد الرزاق سليمان يسطر: من هم فلسطينيو الداخل وكيف نحمى أقسام اللغة العبرية في مصر؟

أقسام العبرية تحتاج إلى الدعم لا إلى التهميش

إذن، أقسام العبرية في حاجة إلى الدعم، للتطوير، ولدعم خريجيها وتشغيلهم، لا إلى التقليل من شأنها أو إلغائها.

فمن يفهم العدو، يفهم كيف يواجهه. ومن يفهم أخاه في الداخل، يعرف كيف يحتضنه ولا يظلمه.

عرب 48 إخوتنا. وأقسام العبرية سلاحنا في الفهم. والفهم أول خطوات النصر، كما كان في أكتوبر، وكما يجب أن يكون اليوم.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *