جاءنا الآن
الرئيسية » التحليل اللحظي » دعاء فؤاد تسطر : طفل أشمون يفتح الملف الأسود لعمالة الأطفال

دعاء فؤاد تسطر : طفل أشمون يفتح الملف الأسود لعمالة الأطفال

دعاء فؤاد

لم تكن واقعة تعذيب طفل داخل إحدى ورش إصلاح السيارات بمركز أشمون في محافظة المنوفية مجرد جريمة جنائية جديدة، بل جرس إنذار يدق بقوة لإعادة فتح واحد من أخطر الملفات المسكوت عنها في المجتمع المصري، وهو ملف عمالة الأطفال.
فالطفل، الذي لم يكن ينبغي أن يوجد داخل ورشة سيارات من الأساس، تعرض بحسب ما أعلنته جهات التحقيق لاعتداء وحشي بعد أن اشتبه أصحاب الورشة في استيلائه على مبلغ مالي، فقاموا باحتجازه لساعات، والتعدي عليه باستخدام أسلاك كهربائية وخراطيم، ومنعوه حتى من شرب الماء، في مشهد يعكس حجم الانتهاكات التي قد يتعرض لها الأطفال العاملون بعيدًا عن أي رقابة أو حماية.
لكن القضية لا تتعلق فقط بجريمة التعذيب، وإنما بالسؤال الذي يجب أن يسبقها: لماذا كان هذا الطفل يعمل داخل ورشة سيارات؟ وأين كانت الرقابة التي تمنع تشغيله في هذا العمر؟

اعرف أكثر

بحجة تعويض مبيعات مكلفة : مدبولى يرفض تخفيض أسعار الوقود وسط موجة تراجع في العالم

للأسف، لم تكن هذه الواقعة الأولى، وربما لن تكون الأخيرة إذا ظل التعامل مع عمالة الأطفال باعتبارها مجرد نتيجة للظروف الاقتصادية، وليس جريمة تستوجب المواجهة.
فعلى مدار السنوات الماضية، دفعت عشرات الأسر ثمن إرسال أطفالها إلى العمل. الجميع لا يزال يتذكر مأساة فتيات جمع العنب، اللاتي خرجن بحثًا عن الرزق فعدن جثامين بعد حادث سير مأساوي على الطريق الإقليمى عندما اصطدمت شاحنة نقل بالحافلة التى تقل الفتيات الصغيرات
وتكرر المشهد في محافظة الفيوم، عندما انقلبت واحترقت سيارة غير مهيأة كانت تقل عمالًا عائدين من العمل، مما أدى إلى وفاة ثمانية أشخاص، بينهم ستة أطفال، في حادث كشف أن بعض الأطفال لا يواجهون فقط خطر الاستغلال، بل يواجهون خطر الموت كل يوم.

دعاء فؤاد تسطر : طفل أشمون يفتح الملف الأسود لعمالة الأطفال

هذه الوقائع ليست حوادث منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة عنوانها استغلال الأطفال في سوق العمل.
ورغم أن قانون الطفل وقانون العمل في مصر يضعان ضوابط واضحة لتشغيل الأحداث، ويحظران تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة أو التي تعرض صحتهم وسلامتهم للخطر، فإن الواقع يؤكد أن هناك مئات الورش والمصانع والمزارع التي لا تزال تستعين بالأطفال، في ظل ضعف الرقابة أو عدم كفايتها.

اعرف أكثر

سيناريو توطين الحرب في هرمز والخليج..هل نحن على مشارف وضع إقليمى دولى جديد ندفع ثمنه؟

ولا يمكن تحميل الأسر وحدها مسؤولية هذه الظاهرة، فالفقر والضغوط الاقتصادية قد يدفعان بعض العائلات إلى إرسال أبنائها للعمل، لكن ذلك لا يمنح أصحاب الأعمال حق استغلالهم أو تعريض حياتهم للخطر.
ومن هنا تصبح المسؤولية مشتركة بين وزارات العمل، والتضامن الاجتماعي، والتربية والتعليم، والداخلية، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، والنيابة العامة، من خلال تكثيف حملات التفتيش، وضبط المخالفين، وتوفير مظلة حماية اجتماعية للأسر الأكثر احتياجًا، حتى لا يكون الطفل هو الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن الأزمات الاقتصادية.
كما أن العقوبات يجب ألا تقتصر على من يعتدي على طفل بعد تشغيله، بل يجب أن تمتد إلى كل من يشغله بالمخالفة للقانون، خاصة في الأعمال الشاقة والخطرة، مع تطبيق العقوبات بحزم حتى يدرك الجميع أن تشغيل الأطفال ليس وسيلة لتقليل تكلفة العمالة، وإنما جريمة تهدد مستقبل المجتمع.

اعرف أكثر

غرور السنغال وقلة خبرة الكونغو : النهايات المونديالية الدرامتيكية تواصل إسقاط الأفارقة فماذا عن الباقي؟

فكل طفل يُحرم من التعليم، ويُدفع إلى سوق العمل قبل أوانه، هو خسارة للوطن قبل أن يكون خسارة لأسرته. وكل طفل يتعرض للإهانة أو الإصابة أو يفقد حياته أثناء العمل، يمثل شهادة إدانة في حق مجتمع لم ينجح بعد في حماية أضعف أفراده.
إن مأساة طفل أشمون يجب ألا تنتهي بإحالة المتهمين إلى المحاكمة، كما انتهت قبلها عشرات الوقائع. المطلوب هو أن تتحول هذه الجريمة إلى نقطة انطلاق لمراجعة شاملة لملف عمالة الأطفال في مصر، وتفعيل القوانين، وتشديد الرقابة، وحماية كل طفل من أن يتحول بحثه عن لقمة العيش إلى رحلة تنتهي بالتعذيب أو الموت.
فالأطفال مكانهم الطبيعي هو المدرسة وساحات اللعب، لا الورش، ولا المزارع، ولا السيارات التي تنقلهم إلى أعمال قد لا يعودون منها أحياء. 

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *