
رغم كل ما يقال وقيل وسيقال عن تغييرات إعلامية وصحفية فإنه في رأيى الشخصى من خبرة ممتدة فى هذا المجال منذ دخولى مبنى وصالة تحرير جريدة الأهرام متدربا سنة 1988؛ بأنه لا تغيير سيحدث فى المنظومة والأداء الإعلامى والصحفى فى الوقت الراهن أو فى السنوات القادمة.
وأن ما يحدث مجرد فضفضة سرعان ما تعود الأمور إلى وضعها بمجرد التنفيس اللحظى… وتلك ليست مصادرة على الرؤى المختلفة؛ ولكن نحن نحكم بعقيدة سياسية ترى فى الإعلام والصحافة سببا فى الفوضى وتغييب الوعى وتقوم على التشكيك فى أى شىء وكل شىء لدرجة تم معها شيطنة المهنة ومن يمتهنها وتصويرهم على أنهم كانوا سببا مباشرا فى ثورة 2011 والفوضى التى أعقبتها.
لذلك كانت الحالة التى حددت المسار المهنى والتأميم الناعم والخشن للقنوات والمؤسسات والصحف مع تدوير مدروس بقوائم مغلقة ومفلترة من الاسماء لا ينفد إليها أو يخرج منها أحد إلا وفق معايير يعتقد من وضعها أن فى مقدمتها الولاء والإخلاص للنظام القائم.

وجرى تصنيف الصحفيين والإعلاميين ومؤسساتهم إلى وطنى وغير وطنى وفق رؤية العقيدة الحاكمة للمشهد؛ وحددت دوائر قريبة وبعيدة يتم التعامل معها بثبات وتقليدية مقيتة دون أن يرصد ويحلل ويتكلم ويفضض أحد عن تداعيات تلك الرؤية والعقيدة؟
كيف سنعيد الأمور لنصابها بعد أن وصلنا إلى طرق كلها مسدودة مهنيا؟ وكيف سنسد الفجوة الجيلية بين جيل تم إحالته للتقاعد والاعتزال الاختيارى/الإجبارى لأنهم لا تنطبق عليهم المعايير والعقيدة وأجيال نبت شيطانى ربما تتمتع بمهارات العصر التقنية ولكن لم يتم صقلها ورعايتها تحت نظر وأعين خبيرة وصنايعية.
المؤشرات فى تعيينات الكيانات التى تدير المؤسسات وغياب الكوادر الإعلامية العملياتية والاكاديمية عن تشكيلاتها بالتوازى مع غياب تأثير واضح وملموس للمجالس والهيئات المستقلة دستوريا التى تدير الملف فى إحداث نقلة مهنيا وتحرير السياسات التحرير وتحفيزها على التنوع والاختلاف وحماية ودعم الحريات والضمانات الواجبة للمارسة.

كلها أمور لا تدعو للتفاؤل وإشارات مهمة على الطريق بأن السير فى اتجاه واحد لا رجوع عنه ولا مراجعة او تصويب أو تصحيح أو تعديل أو تقويم؛ ببساطة لأن القناعات بأن ما فات كانت خطايا وخطأ كبير ليست موجودة، وأن كل ما جرى وسيجرى هو محاولات تعيسة وبائسة ويائسة لإقناعنا نحن أصحاب المهنة بأن ما فات كان واجبا وإلزاما ومسار إجبارى دفعتهم إليها الظروف الداخلية والإقليمية وفيضان نيبال وإنهيار جبلى فى تشيلى.
ربما يرى البعض أن تلك الرؤية سوداوية، وأنا أول من يدعو ويتضرع إلى الله أن تكون رؤية خاطئة؛ ولكنها للأسف رؤية واقعية وخبرة سنوات على المستوى الشخصى قبل أن تكون عامة وتمس أهم عنصر فى عناصر قوة الدولة الشاملة فى القرن الحادى والعشرين “القوة الناعمة”.
*الكاتب، رئيس تحرير الأهرام ويكلى سابقا، والمحلل الاستراتيجي بمركز الفكر للدراسات
