
يُعد “إسرائيل الكبرى” من المفاهيم التي ارتبطت تاريخيًا بالسرديات الدينية والتصورات الجيوسياسية داخل الفكر الصهيوني، من خلال تصور لحدود جغرافية أو مجالات نفوذ أوسع من الحدود السياسية القائمة طبقًا للمعتقد الديني. وقد ظل هذا المفهوم محل نقاش أكاديمي وسياسي لعقود طويلة.
ومع التطورات التكنولوجية المتسارعة، برز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم أدوات تشكيل وإدارة الإدراك السياسي من خلال إعادة إنتاج السرديات الأيديولوجية ذات الطبيعة الجدلية، مما يفتح المجال لدراسة العلاقة بين أدوات التكنولوجيا الحديثة وإعادة تقديم المفاهيم الجيوسياسية التقليدية.
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تكشف عن انتقال الصراع من المجال الجغرافي التقليدي إلى المجال المعرفي والرقمي، حيث يصبح التأثير في الإدراك والوعي الجمعي العالمي جزءًا من أدوات النفوذ الاستراتيجي، مما يؤثر على الجمهور العادي وصناع القرار على حد سواء.

وفيما يخص مفهوم “إسرائيل الكبرى”، يمكن أن يؤدي استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز الروايات التاريخية أو الدينية أو الأمنية التي تدعم تصورات التوسع الإقليمي، حيث لا يعتمد النفوذ فقط على القوة المادية، بل على القدرة على إقناع الجمهور الداخلي والخارجي بالتصورات المطروحة.
الذكاء الاصطناعي والمخاطر الأيديولوجية
شهدت السنوات الأخيرة تطورات متسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أحدثت ثورة في الفضاء الرقمي في العديد من المجالات المعرفية والاقتصادية والسياسية والأمنية، حيث أسهمت في تعزيز القدرة على تحليل البيانات وتسريع الإنتاج المعرفي وتطوير أدوات تكنولوجية متقدمة لدعم اتخاذ القرار.
اعرف أكثر
ألغاز ضياء العوضي تتزايد: تبريرات مثيرة للجدل لإعادة تشريح جثمانه بطلب زوجته
إلا أنه على الرغم من هذا التطور، لم تخل هذه التقنيات من إشكاليات جوهرية في القدرة على التحكم في مدخلاتها ومخرجاتها، فقد أتاحت إمكانيات واسعة لتوليد المحتوى المعرفي على نطاق واسع وبدرجة دقة بالغة، مما نشأ معه إشكالية المحتويات المضللة.

نجد أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحولت من أدوات تقنية مساعدة إلى فاعل مؤثر في تشكيل الخطاب الرقمي والعمل على إعادة إنتاج السرديات الأيديولوجية حسب الجهة المستفيدة، بعيدًا عن مدى صحتها، عن طريق إعادة توليد الصور والنصوص وتضخيم محتوى محدد سواء كان حدثًا حقيقيًا أو تم التلاعب به لمصلحة جهة معينة.
ومن هنا تأتي الأهمية القصوى لمعرفة كيفية التصدي لمثل هذه المحتويات الرقمية المضللة التي يتم ضخها بصورة مستمرة وبطرق مختلفة، حتى لا يتمكن المستقبل من معرفة إذا كان ما يراه أو يقرأه حقيقة أم مجرد أخبار وصور تم توليدها بالذكاء الاصطناعي ولا صلة لها بالواقع.
تستند الورقة في تحليلها إلى نموذج الدعاية لإدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي، الذي يشرح الشبكة المعقدة للسلطة والثروة في تنظيم وسائل الإعلام الرئيسية من خلال خمس مرشحات: الملكية، والإعلان، والمصادر، والهجوم المضاد، والأيديولوجيات المعادية، حيث يتم تصفية الأخبار الصالحة للنشر وتهميش المعارضة والسماح للحكومة والمصالح الخاصة المهيمنة بإيصال رسائلها إلى الجمهور.

الذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة
تُهدد المعلومات المضللة التي يولدها الذكاء الاصطناعي بإغراق العالم أجمع بمحتوى يصعب اكتشافه بسهولة، ولا يمكن تمييزه إلا بالتدقيق الشديد وبواسطة وسائل محددة. وهذا الإغراق المعلوماتي كان نتيجة حتمية للتطور التكنولوجي دون وضع حدود واضحة حول أخلاقية التعامل مع الملفات الحساسة التي تؤثر على الأمن العالمي.
اعرف أكثر
د.أحمد جابر يسطر لـ”إندكس” : مؤشرات انفجار السد الإثيوبي
من خلال النماذج التوليدية، يمكن إنتاج محتوى مكتوب إلكترونيًا لا يمكن تمييزه تقريبًا عن العمل البشري، مما يسمح بإنتاج ونشر أعداد هائلة من الأخبار المزيفة، حيث يمكن جمع صور واقعية لأشخاص وأحداث غير حقيقية وإيهام الجمهور بواقعيتها. مثال على ذلك ما تم تداوله خلال أحداث 7 أكتوبر 2023.
فقد تم إنتاج ونشر عدد هائل من الصور المفبركة والأخبار المضللة حول ما يحدث على أرض الواقع، حيث تم تصوير الجانب الفلسطيني على أنه المتعامل بعنف والمبادر بالهجوم ضد المستوطنين بعمليات قتل وغيرها.

بينما قامت إسرائيل بنشر روايتها في كافة وسائل الإعلام العبرية والأجنبية، بالإضافة إلى إغراق وسائل التواصل الاجتماعي بالأخبار والصور والفيديوهات المضللة التي تم إثبات كذب ادعاءاتها سريعًا.
“إسرائيل الكبرى” والذكاء الاصطناعي
ومنذ 7 أكتوبر 2023 وعملية “طوفان الأقصى”، كثر الحديث عما يُطلق عليه “إسرائيل الكبرى”، ولم يعد الأمر مقتصرًا على شخصيات أو منظمات محددة، بل أصبح واسع الانتشار على المستوى السياسي وبين المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته للترويج لهذا المشروع الاستعماري بشكل فج.
اعرف أكثر
جريمة غريبة على المصريين: خناقة “الدهابة” التى قتل فيها ثمانية بسفاجا
وقد تباهى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كثيرًا بالظهور ومعه خرائط توضح الهدف النهائي للمشروع الصهيوني والحدود القصوى للدولة الإسرائيلية المزعومة “من نهر النيل إلى نهر الفرات”، مع التأكيد بعد كل عملية عسكرية تقوم بها إسرائيل على أنها خطوة في سبيل تحقيق الخطة الكبرى واحتلال كافة الأراضي العربية.

وكان الأمر الأكثر فجاجة حينما خرج السفير الأمريكي في تل أبيب مايك هاكابي في مقابلة صحفية مع الإعلامى الأمريكي الشهير تاكر كالرسون، وأكد على ضرورة تنفيذ مشروع “إسرائيل الكبرى” واحتلال كافة الأراضي التي يزعم اليهود أنها حق إلهي لهم، وهو الأمر الذي أدانته كافة الدول العربية دون أن تدينه الولايات المتحدة الأمريكية كونه تهديدًا صريحًا لهذه الدول.
وقد استغلت إسرائيل، كونها متقدمة في المجال التكنولوجي، تقنيات ووسائل الذكاء الاصطناعي في الترويج لهذا المشروع، حيث يتم إعادة إنتاج هذه الفكرة رقميًا عن طريق برامج مثل Open AI وMidjourney وغيرها، لإعادة تفسير النصوص الدينية التوراتية وتحويلها إلى نصوص ذات أسلوب سلس سهل الفهم لغير المتخصصين.
اعرف أكثر
أخبار مطمئنة من أعماق النيل: ارتفاع كبير في بحيرة فيكتوريا مع تواصل مواسم الأمطار فوق المتوسطة
ثم نشرها في شكل منشورات على وسائل التواصل المختلفة أو مقالات وتحليلات تغرق المواقع الإلكترونية، حيث يتم تحويل المفهوم من أبعاد دينية إلى حقيقة سهلة الاستيعاب والتقبل باستخدام فكرة التأثير على الوعي الجمعي بكثرة وتكرار نفس الفكرة حتى تصبح جزءًا من الواقع. تتلخص آليات الترويج في اتجاهين:

أولاً، الدعاية الموجهة للجمهور المستهدف (وخصوصًا الجمهور الغربي) عن طريق خوارزميات المنصات المختلفة، بحيث لا يتم نشر فكرة محددة بشكل واحد، بل يتم نشر نسخ متعددة بطرق مختلفة (خطاب ديني، قانوني، سياسي) حسب الجمهور.
ثانيًا، العمل على إغراق المواقع المختلفة بمعلومات زائفة ومضللة حول الشرعية الدينية لهذا المشروع، من خلال نشر مقالات وتحليلات سياسية ودينية تاريخية مضللة مستغلة التطور التكنولوجي في توليد وإعادة إنتاج تلك الأفكار، فيجد الجمهور المستهدف نفسه أمام معلومات من المفترض أنها موثوقة دون أن يدرك أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي.
اعرف أكثر
هل يعاقب ترامب ألمانيا؟: اتجاه لتقليل القوات الأمريكية ببرلين بعد مناوشات مع ميرتس
الخاتمة
لا يعمل الذكاء الاصطناعي -رغم أهميته وإمكاناته- كأداة محايدة، بل كـ”بنية تحتية أيديولوجية” تقوم بإعادة تشكيل موازين القوى من خلال التحكم في المحتوى البصري أو المكتوب أو المسموع الذي يصل إلى العالم بأكمله، مما يسمح بتحويل السرديات الدينية والقانونية والسياسية إلى حقائق رقمية.

كل شيء ممكن ومباح، ومَن في يده القدرة التكنولوجية فائقة التقدم هو المسيطر على الساحة الرقمية ومنها إلى كافة المجالات الأخرى وهو من يتخذ القرار.
تتجلى قدرة التأثير البصري على الجمهور من خلال الخرائط المتداولة لحدود “إسرائيل الكبرى”، حيث لم تعد هذه الخرائط مجرد تمثيل لحدود جغرافية، بل أصبحت أداة سياسية أيديولوجية تستخدم للتأثير على الوعي الجمعي.
وتكشف الأمثلة الواقعية عن تحولها إلى وسيط دعائي يسهل عمليات الترويج لهذا المشروع، بجانب خطابات الساسة ورجال الدين اليهودي، لإعادة تشكيل وعي الجمهور مع مرور الوقت والانتشار الواسع.
اعرف أكثر
إنجاز عالمي بقلب أسيوط: استبدال صمام وغلق ثقب بجراحة ميكروسكوبية
تخلص الورقة إلى أن الصراع العربي الفلسطيني قد انتقل إلى مجال جديد حيث يصبح التأثير في الإدراك والمعرفة جزءًا أساسيًا من أدوات النفوذ الاستراتيجي، مما يستدعي تطوير آليات فعالة للتصدي للمحتوى المضلل والكشف عن السرديات المولدة آليًا.

النتائج والتوصيات:
تخلص الورقة إلى عدة نتائج مهمة:
1. الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا: هو سلاح ذو حدين، ومن يمتلك التكنولوجيا الأكثر تقدمًا يمتلك القدرة على تشكيل الوعي الجمعي العالمي لصالح أجندته.
اعرف أكثر
تطور يجب رصد أبعاده: الجيش التركي يجمع فرقاء ليبيا الشرقيين والغربيين في مناورة عسكرية لأول مرة
2. انتقال الصراع إلى المجال المعرفي: أصبح التأثير على الإدراك والقناعات جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات النفوذ، لا يقل أهمية عن القوة العسكرية.
3. الحاجة إلى التصدي: تبرز أهمية قصوى لبناء آليات للكشف عن المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وتطوير أدوات عربية لمكافحة المعلومات المضللة، وتعزيز الوعي الرقمي النقدي لدى الجمهور العربي والعالمي.
