خاص لإندكس من غزة
في صباح الأول من عيد الأضحى المبارك فيما تتعطر المدن العربية والإسلامية برائحة البخور وتصدح مآذنها بتكبيرات العيد، كان الصوت الذي دوّى في قطاع غزة مختلفاً تماماً لم يكن صوت فرح بل كان زئير طائرات الاحتلال وصليل القذائف، ليحول ما يفترض أن يكون عيداً إلى “بحيرة من الدم”، وفقاً لما وصفه الأهالى لمدير مكتب وكالة الأنباء المصرية|إندكس في غزة.
في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد بشاعة، تلطخت ملابس الأطفال الجديدة في أول أيام العيد بلون الدم القاني، إثر إصابة خيام النازحين في منطقة الرمال غرب غزة بصواريخ إسرائيلية.
هؤلاء الأطفال، الذين كان يُفترض أن تكون ضحكاتهم هي نغمة الصباح، تحولوا إلى أشلاء صغيرة تصل إلى مجمع الشفاء الطبي، في مشهد يدمي القلوب ويُسقط كل أقنعة الإنسانية الزائفة عن هذا العالم. لقد غابت ضحكات الأطفال وتبدلت فرحتهم بصرخات ألم، وسيطرت عليهم علامات الفزع وهم يبحثون عن ذويهم بعدما تفرق جمعهم.

لم تكن هذه الغارات مجرد حوادث معزولة في يوم العيد، بل كانت تتويجاً لحملة إبادة جماعية ممنهجة. فمنذ فجر ذلك اليوم المشؤوم، قصفت طائرات الاحتلال ومدفعيته الأحياء السكنية ومراكز الإيواء في مختلف أنحاء القطاع.
في خان يونس والوسطى، استُهدف منزل عائلة عودة، وتحولت خيام النازحين في غزة إلى محارق جماعية. واستقبل مستشفى ناصر جثامين خمسة شهداء، بينهم أطفال، سقطوا جراء قصف خيام للنازحين في منطقة دوار ابو علاء غري خانيونس. ومع نهاية اليوم، كان أكثر من 18 شهيداً قد ارتقوا إلى بارئهم في يوم واحد، في حصيلة أولية لا تعكس سوى جزء من الفظائع.
وسط هذا المشهد الدموي الذي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام جريمة حرب مكتملة الأركان وأمام حالة من “الإبادة الجماعية” التي يُعاقب عليها القانون الدولي، تأتي عملية الاغتيال الجديدة لتنزع أي بقية أمل في التهدئة.

وفي تطور لافت، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن استهدافه وتصفيته للقائد الجديد لكتائب القسام، محمد عودة، في غارة جوية على حي الرمال غرب مدينة غزة.
وجاء في بيان مشترك إسرائيلى لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس، أن العملية استهدفت “أحد مهندسي هجوم السابع من أكتوبر”.
كان محمد عودة، الملقب بـ”رجل الظل”، قد تولى قيادة كتائب القسام خلفاً لعز الدين الحداد الذي اغتيل قبل عشرة أيام فقط. وقبل ذلك، كان يشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في حماس، ولعب دوراً محورياً في بناء القدرات الاستخباراتية للحركة.

هذه العملية، التي لم تعلق عليها حماس أو القسام رسمياً بعد، تكشف عن نمط إسرائيلي متكرر: تصفية القادة العسكريين والسياسيين كجزء من استراتيجية “جز العشب”.
ومن ناحيته يعلق الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين:
إن ما يحدث في غزة ليس مجرد عدوان عسكري عابر، بل هو فصل جديد من فصول مأساة وجودية تُرتكب تحت سمع وبصر العالم. قصف الخيام في ليلة العيد، واستهداف المدنيين العزّل، هو إعلان حرب على الإنسانية ذاتها.
وعلى الجانب الآخر، فإن اغتيال قادة المقاومة، مثل القائد محمد عودة، هو جزء من عملية “قطع رؤوس” لا تتوقف، لكن السؤال الاستراتيجي الذي يطرح نفسه: هل نجحت إسرائيل يوماً في إنهاء فكرة أو مشروع وطني باغتيال قادته؟ التجربة الفلسطينية الطويلة تؤكد العكس تماماً.

ووفق قوله، كل شهيد يتحول إلى أيقونة، وكل اغتيال يُفرز مقاومة أشد عنفواناً. يبدو أن المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية لا تقرأ التاريخ جيداً. إن اغتيال عودة، بعد أيام من اغتيال سلفه، لن يُحدث فراغاً استراتيجياً بقدر ما سيُحدث حالة من الغضب والتصميم.
وتابع، المأساة الحقيقية ليست فقط في الدم المسفوح في غزة، بل في الصمت الدولي الرسمي المطبق، الذي يعطي الضوء الأخضر لجرائم حرب وإبادة جماعية تُرتكب على الهواء مباشرة.
ومن جهته أكد الكاتب هلال نصار:
أن تكتب عن طفل قُتل في أول أيام العيد، وأنت ترتدي ثياباً جديدة، فهذا أقسى من أي مشهد مأساوي آخر. في غزة، لا يوجد عيد بالمعنى الذي نعرفه. العيد هناك تحول إلى “يوم للوداع والجنازات” كما يقول سكان القطاع، وإلى طقوس ألم متجددة.

وفي مقابر مثل الشيخ رضوان غرب غزة، كانت مشاهد الزوار حول قبور أحبتهم هي المشهد الأبرز، حيث تجمع الناس حول قبور أبنائهم التي حرمتهم منهم آلة العدوان الإسرائيلية.
وعن اغتيال محمد عودة يأتي ليُغلق نافذة الأمل الصغيرة التي قد تلوح في الأفق. فإنه بالفعل اغتيال لرمز، ومحاولة لإيهام العالم بأن الحسم العسكري ممكن، لكن الحقيقة أن غزة بأكملها، بكل ما فيها من دماء وأحزان، باتت رمزاً للصمود الأسطوري. إن جريمة تحويل الفرحة إلى مأتم، والتهليل والتكبير إلى استغاثة وعويل، هي جريمة مركبة: قانونية تتعلق بتدمير الحياة، وأخلاقية تتعلق بقتل المعنى.
وفي الخلفية، كان الثمن البشري لهذه الحرب الهمجية يرتفع بشكل مرعب. فبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، ومعها إحصاءات مستقلة، فإن حصيلة الشهداء في قطاع غزة تجاوزت 72,000 شهيد، غالبيتهم من الأطفال والنساء، فضلاً عن مئات الآلاف من الجرحى والمفقودين تحت الأنقاض، في حرب إبادة شاملة يُمعن الاحتلال في تنفيذها.

هذا الرقم ليس مجرد إحصائية باردة، بل يمثل أكثر من 5% من إجمالي سكان القطاع، وهو ما يعني، وفقاً لمعايير علم الاجتماع السياسي، جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان.
إن ما جرى في عيد الأضحى، وما تلاه من اغتيال القائد محمد عودة، ليس مجرد تطورين منفصلين في مسار الحرب، بل هما وجهان لعملة واحدة: استراتيجية إسرائيلية فاشية تقوم على قتل البشر وتدمير الحجر وسحق أي بارقة أمل.
قتل الأطفال في الخيام وسرقة فرحة العيد ليس عملاً عسكرياً، بل هو عنوان لمرض سياسي وأخلاقي عميق، ورسالة يائسة بأن الاحتلال، رغم كل قوته التدميرية، لا يزال عاجزاً عن فهم درس التاريخ: أن الدم لا يمحوه الدم، وأن من يزرع في الأرض جذور الظلم، لا يحصد سوى براكين الحرية والانعتاق، وفق ما يتفق عليه الفلسطينيون في غزة.

