أحمد شعبان
يا ويل أمةٍ تجادل بلا نقاشٍ أو حوار، وأسرت نفسها في خلافاتٍ مضت، واستُقطبت بين يمين ويسار، حتى حادت – أو كادت أن تحيد – عن طريق الوطن والمستقبل. ذلك هو حالنا الذي نشأت عليه منذ نعومة أظفاري؛ نتجادل في العام مرات ومرات حول كرة القدم، ونختلف حول نادي القرن ومن هو “فوق الجميع”، ونسينا أن نشجّع “اللعبة الحلوة” لأجل المنتخب الوطني.
نتجادل في تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وننشغل بمن سيدخل الجنة ومن سيلقى في النار، ونسينا أن الله قد حسم الأمر بقوله: “لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم”. ونسينا أن شرط الإيمان بالله مقرون بالإيمان بكل رسالاته وكتبه ورسله؛ فلنا في التوراة والإنجيل كما لليهود والمسيحيين.
اعرف أكثر
د. جمال زحالقة يسطر: الاتفاق النووى السعودي الأمريكي..صفعة على وجه إسرائيل ونتنياهو
نتجادل قسرًا بفعل “الترند” المدفوع من مواقع التواصل الاجتماعي، فتشغلنا “قبلة فنان” و”فيديو بلوجر” و”أزياء مطرب” بجدلٍ يكاد أن يستهلكنا ويُهلكنا، وينذرنا بمصير الأمم التي جادلت فتفرّقت وفشلت وذهبت ريحها.

ومن مواسم الجدل السنوية: موسم “يوليو”، حيث تتفرّق السبل بين المصريين بين مؤيدٍ للثورة، مؤمنٍ بعظمة عبد الناصر ورفاقه ونُبل مقاصدهم، ولاعنٍ كل ما جاء من بعدهم، وآخر مقتنع بأن كل التحديات التي تواجهها الدولة اليوم هي من نبت مساوئ تلك الثورة، وأن عبد الناصر هو شيطانها الأعظم، وثالث يلعن الفريقين ومعهم الدولة ومؤسساتها جميعًا.
وإذ أؤكد أنني لست من “دراويش يوليو”، ولست “ناصريًا” على الإطلاق، بل “ساداتيّ الهوى” ولا أنكر ذلك، إلا أنني لا أغفل أبدًا سياق ثورة يوليو 1952، التي انطلقت بها طليعة من شباب الضباط في الجيش المصري، مدعومةً بإرادة شعبية، كنتاج طبيعي لمسيرة النضال الوطني والروح القومية التي بدأت مطلع القرن العشرين، وعملت لأجلها الأمة المصرية بكل مكوناتها لنيل الاستقلال الوطني بعد عقود من الاحتلال البريطاني، وقرونٍ من الاحتلال العثماني قبله.
اعرف أكثر
إسرائيل تستغل انشغال العالم بحرب أمريكا وإيران وتضاعف احتلالها الأصفر لغزة
وكأي عمل إنساني، كانت لثورة يوليو إيجابيات وسلبيات. وتقييمها التاريخي ينبغي أن يكون بهدف استخلاص الدروس والعِبَر، لا من باب التشويه أو المكايدة السياسية. وعلى الجانب الآخر، فإن نقد الثورة ورجالها لا يجب أن يُهاجم من مؤيديها، فهي محطة مفصلية في تاريخ مصر الحديث، ودراستها وتحليلها ونقدها فرض واجب على كل باحث وطني يسعى لمستقبل واعد لأمتنا العظيمة.

إن نقد التاريخ واجب علمي ووطني، والبحث في المتغيرات والنتائج المترتبة على ثورة يوليو أمرٌ حميد، وجهدٌ مشكور، لكن يجب أن يتم ذلك في ضوء السياق والظروف الزمنية المصاحبة لها، دون إفراط في التأييد أو الغلو في النقد، تبعًا لهوى أو موقف مسبق.
فرجال يوليو – كغيرهم ممن صنعوا التاريخ – لهم ما يُستحق من الثناء والإشادة، وعليهم ما يستوجب النقد والمراجعة. وفي كل الأحوال، تبقى ثورة يوليو رمزًا للاستقلال والكرامة الوطنية، ويُحسب لها ذلك وإن كثرت المثالب أو حادت البوصلة بين الرفاق.

اعرف أكثر
شهود العيان بحفل حماقي يكشفون لـ”إندكس” كواليس أزمة “جدة حبيبتى”..التى أغضبت المصريين
فلنتجاوز بعقلانية ورُشد إشكالية “رد قلبي”، ولندع علي وإنجي، ولننخرط في بناء الحاضر، والإعداد لمستقبل الوطن في ظل التحديات الجسام التي تحيط بمصرنا الغالية من كل صوب واتجاه.
دعوةٌ إلى الله مخلصة: أن يجعل نقاشنا مثمرًا، ويكفينا شر الجدل، ويوحّد رؤيتنا نحو وطن يليق بما قدمه الآباء والأجداد من تضحيات، ويليق بحق الأبناء والأحفاد.
