
في كل صباح، اعتادت أمي أن ترسل لي مقاطع فيديو مصورة عن “نوستالجيا” لمة العائلة زمان.
مرة ترسل لي مقطعا لعائلة تجلس جميعها معا أمام التلفاز، يتابعون برنامجا أو فيلما. لا أحد منهم مشغول بهاتفه، ولا أحد يجلس في غرفة أخرى، ولا أحد يشعر أن الوقت يضيع؛ لأنه يجلس مع أهله.
ومرة أخرى ترسل لي مقطعا لعائلة في المصيف، يجلسون على شاطئ البحر، يضحكون ويستمتعون بأبسط تفاصيل اليوم، وكأن السعادة حينها لم تكن تحتاج إلى كل هذا التعقيد الذي نعيشه الآن.
ومرة ثالثة تكون المناسبة رمضان، أو عيد الفطر، أو عيد الأضحى… موائد تجمع الجميع، وبيوت تستقبل الأقارب، ولكبار العائلة مكانتهم وهيبتهم، والصغير يعرف كيف يحترم الكبير، والكبير يعرف كيف يحتوي الصغير.
مقاطع بسيطة جدا، لكنها في كل مرة تتركني أمام سؤال كبير: ماذا حدث لنا؟
أحيانا أشاهدها في صمت، وأظل أسرح طويلا فيما وصلنا إليه، وفي كيف تبدلت أشياء كثيرة في علاقاتنا بعضنا ببعض.

فمنذ أيام، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع لشابين يعتديان على والدتهما بالضرب، في مشهد صادم حاول فيه الجيران التدخل لإنقاذها. وبعد القبض عليهما جاءت اعترافاتهما بأن التعدي كان بهدف الحصول على المال منها.
حين تشاهد خبرا كهذا، تشعر للحظات أن عقلك يرفض تصديق ما قرأته، وأنك سوف تصاب بالجنون.
كيف يمكن أن يصل الأمر بأبناء إلى أن يعتدوا على أمهم من أجل المال؟
الأم التي كانت يوما مصدر الأمان، واليد التي امتدت إليهم وهم صغار، والإنسانة التي ربما حرمت نفسها من أشياء كثيرة حتى توفر لهم ما يحتاجونه. كيف تتحول في لحظة إلى شخص يمكن أن تمتد إليه أيدي أبنائها بالأذى؟

وهنا تختلف الأقاويل.
هناك من يقول: إن الدلال الزائد يفسد الأبناء، وهناك من يرى أن القسوة الزائدة تصنع أبناء بلا رحمة. وكلاهما قد يكون صحيحا في بعض الحالات، لكنني أعتقد أن الصورة أصبحت أكبر وأكثر تعقيدا من مجرد “دلع” أو “قسوة”.
هناك متغيرات كثيرة طرأت على المجتمع.
شباب أصبح بعضهم ضحية للمخدرات التي تغيب العقل وتشوه القدرة على الحكم على الأشياء.
ومواقع التواصل الاجتماعي تفتح أمام البعض أبوابا لا تنتهي من المقارنات والطموحات الوهمية، وتجعل البعض ينظر إلى حياة الآخرين طوال الوقت، فيشعر أن ما لديه قليل، وأن ما يملكه الآخرون حق مكتسب له.
هناك أيضا تغير في مفهوم الاحتياجات والرغبات. فما كان رفاهية بالأمس أصبح اليوم بالنسبة للبعض ضرورة، وما كان حلما أصبح مطلبا فوريا. ومع ضعف القدرة على ضبط الرغبات، قد يلجأ بعض الأشخاص إلى ارتكاب أفعال خطيرة للحصول على ما يريدون.
وفي المقابل، هناك دور غائب أو ضعيف لوسائل الإعلام، وللمؤسسات التربوية، وللأسرة نفسها في بناء الإنسان وتعليمه معنى المسؤولية، وضبط الرغبات، واحترام الآخر، وتقدير النعمة، وفهم أن الحصول على ما نريد لا يبرر أن نؤذي من حولنا أو أن نصبح مجرمين.
لكن السؤال هنا لا يجب أن يكون فقط: هل نحن أمام جيل عاق؟
ربما علينا أن نسأل أيضا: هل نحن أمام مجتمع تغيرت فيه منظومة التربية والقيم والعلاقات كلها؟
فالعقوق ليس دائما صورة ابن يرفع صوته على أبيه أو يؤذي أمه، كما أن عقوق الآباء لا يكون دائما في صورة واضحة ومباشرة.
أحيانا يبدأ الخلل منذ سنوات الطفولة، حين يربي الأب ابنه على أن المال هو قيمة الإنسان، أو حين تمنحه الأسرة كل شيء دون أن تعلمه معنى المسؤولية، أو حين ينشأ الطفل في بيت لا يرى فيه احتراما بين الأب والأم، ولا يسمع فيه إلا الصراخ والإهانة.
وأحيانا يكبر الأبناء وهم يحملون جروحا لم ينتبه إليها أحد.
لهذا لا يمكن اختزال كل شيء في جملة “جيل زمان كان أفضل”.
ربما لم يكن الماضي مثاليا، وكانت له مشكلاته وأخطاؤه، لكن كان هناك شيء نفتقده بشدة الآن، وهو “اللمة”.
كانت المناسبات تعني اجتماع الناس، لا مجرد رسائل تهنئة على الهاتف.

كان العيد يعني أن ترى الوجوه التي تحبها، وأن تسمع ضحكات الأقارب في البيت، وأن تشعر أن لك عائلة تمتد حولك كدائرة أمان.
وكان للكبير مكانته، وللأم حرمتها، وللأب هيبته، وللبيت دفؤه.
ربما لهذا نحن دائما نشتاق إلى الماضي.
لسنا بالضرورة نشتاق إلى أثاث البيوت القديم، ولا إلى شكل الملابس، ولا إلى أجهزة التلفاز القديمة، ولا حتى إلى تفاصيل الحياة نفسها.
نحن نشتاق إلى المشاعر التي كانت تسكن تلك التفاصيل.
نشتاق إلى زمن كان فيه البيت بيتا حقا، لا مجرد مكان ينام فيه أفراد يعيش كل واحد منهم في عالم منفصل.
نشتاق إلى زمن كان فيه الجلوس مع الأسرة متعة، والحديث مع الأب والأم عادة، والضحكة الجماعية لا تحتاج إلى مناسبة.
نحن نبكي على الماضي ليس لأنه كان كاملا، ولكن لأننا نشعر أننا فقدنا شيئا كان يمنح حياتنا معنى.
لذلك ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: من العاق؟ الابن أم الأب؟
ولكن: إلى أين نذهب بهذه الأسرة؟ وإلى أين نأخذ هذا المجتمع؟
فإذا كان البيت هو المدرسة الأولى للإنسان، وإذا كان احترام الأب والأم يبدأ من التربية، وإذا كان الحب والرحمة والاحتواء قيما تكتسب، فعلينا أن نعيد النظر في كل شيء.

علينا أن نستعيد “اللمة” قبل أن تصبح مجرد مقاطع قديمة نشاهدها على هواتفنا ونشعر بالحسرة.
لأن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس شكل الأسرة،
بل روح الأسرة.
وأخشى أن يأتي يوم تصبح فيه تلك المقاطع التي ترسلها لي أمي كل صباح هي الدليل الوحيد على أن هناك زمنا كان فيه الأبناء يعرفون قيمة آبائهم، والآباء يعرفون كيف يحتضنون أبناءهم، وكانت البيوت أكثر دفئا، والقلوب أكثر رحمة.
وقتها لن يكون السؤال: أين ذهب الماضي ولماذا نبكيه؟
بل سيكون السؤال الأصعب:
ماذا فعلنا نحن بالحاضر حتى أصبحنا نتمنى العودة إليه؟
