
لم تعد قصص العنف ضد المرأة مجرد حوادث فردية نقرأ عنها في صفحات الحوادث ثم ننساها، بل أصبحت جرس إنذار يدق يوميا ليكشف حجم الخلل النفسي والإنساني لدى بعض الرجال الذين يرتدون أقنعة الاحترام بينما يخفون بداخلهم روحًا مشوهة لا تعرف الرحمة ولا تقبل الرفض.
فأي قسوة تلك التي تدفع رجلًا إلى قتل طليقته بدم بارد في وسط الشارع؟
وأي قلب يستطيع بعد ارتكاب الجريمة أن يقف أمام النيابة ليدافع عن نفسه عبر سبّ الضحية وقذفها واتهامها بأبشع الصفات؟
اعرف أكثر
بالأسماء والتأثيرات: خريطة الانشقاقات المدمرة في ميليشيا الدعم السريع الإرهابية
المؤلم أكثر أن الجاني كان يوما ما قاضيا، شخص جلس على منصة العدالة ليحكم بين الناس، وكان الأولى به إن لم يستطع قول الحقيقة أن يصمت على الأقل عن الخوض في عرض امرأة كانت زوجته وأم لأبنائه يوما ما، بدلًا من محاولة تشويهها لينجو بنفسه من العقاب.
هذه ليست مجرد جريمة قتل، بل انعكاس لفكرة خطيرة متجذرة لدى بعض الرجال، وهي اعتبار المرأة “ملكا خاصا” لا يحق لها الرحيل أو الرفض أو حتى اتخاذ قرار النجاة بنفسها.

وعلى نفس خط القسوة والانتقام، ظهرت مأساة الفتاة التي تعرضت للضرب المبرح داخل مكان عملها، وهو “كوافير حريمي”، على يد خطيبها السابق بعد فسخ الخطبة. وكأن إنهاء علاقة عاطفية أصبح جريمة تستحق العقاب. وكأن كلمة “لا” تُشعل داخل بعض الرجال رغبة مرضية في الإهانة أو الضرب أو حتى القتل.
ولعل أغنية تميم يونس الشهيرة “عشان تبقى تقولي لأ” عبّرت ولو بشكل ساخر عن عقلية موجودة بالفعل داخل المجتمع، عقلية ترى أن رفض المرأة إهانة شخصية للرجل، وأن كرامته لا تُسترد إلا بالعنف والدم.
اعرف أكثر
دعاء فؤاد تسطر: عبيد الدعم..المعنى الحقيقى للرخص وبيع القيم
وهنا يظهر ما يعرف بالرجل النرجسي أو “التوكسيك”، ذلك الرجل الذي لا يحب المرأة حبًا صحيًا، بل يحب امتلاكها والسيطرة عليها. يرفض النقد، لا يعترف بأخطائه، ويعتبر نفسه دائمًا الضحية حتى وهو يمارس أبشع أنواع الأذى النفسي أو الجسدي.
فالرجل النرجسى لا يتحمل فكرة أن المرأة تتركه أو تتخلى عنه لأن الرفض بالنسبة له ليس موقفا طبيعيا بل طعنة فى غروره تجعله يدخل فى حالة من الهياج النفسي والرغبة فى الإنتقام.

والمؤسف أن الحديث عن حقوق المرأة وسلامتها النفسية لا يزال خافتا مقارنة بحجم الخطاب الذي يوجه دائمًا لمظهرها وملابسها وصوتها.
فأين أصوات رجال الدين من كل هذه الجرائم؟
لماذا ينشغل البعض بكل ما يتعلق بملابس المرأة، بينما نادرًا ما نسمع حديثا واضحًا وصريحًا عن تحريم إذلالها أو تعنيفها أو قتلها نفسيًا وجسديًا؟
اعرف أكثر
هل احتلت إسرائيل الإمارات؟: زيارات سرية لنتنياهو ورئيس الموساد وقبة حديدية وقوات برية
لماذا تحمَّل المرأة دائمًا مسؤولية الفتنة، بينما يتم تجاهل تربية بعض الرجال على احترام الرفض وضبط الغضب والتعامل الإنساني؟

الحقيقة أن المجتمع لن ينجو من هذه الكوارث طالما استمر في تبرير العنف الذكوري تحت مسميات مثل “الحب” أو “الغيرة” أو “الرجولة”. فالرجل الحقيقي لا يرعب امرأة، ولا يهينها، ولا ينتقم منها لأنها اختارت النجاة بنفسها.
ويبقى السؤال الأهم
كم إمرأة يجب أن تهان أو تضرب أو تقتل حتى يدرك المجتمع أن المشكلة ليست في رفض المرأة، بل في رجل لم يتعلم يومًا كيف يتقبل كلمة “لا”؟
اعرف أكثر
اللواء عبد الحميد خيرت يسطر: كيف نجوت من اغتيال مجهول؟
ومتى تتحول حماية النساء من مجرد تعاطف مؤقت على مواقع التواصل، إلى وعي حقيقي يربى أجيالًا كاملة على أن الحب لا يثبت بالعنف، وأن الرجولة لا تعني السيطرة، وأن الكرامة لا تُنتزع من امرأة فقط لأنها قررت الرحيل؟
