
يعتمد التقدير على فرضية مركزية مفادها أن انتخابات عام 2026م ليست مجرد استحقاق انتخابي عادي، بل لحظة مفصلية قد تعيد تعريف طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، وشكل العلاقة بين الدين والدولة، ومستقبل المشروع الاستيطاني، وموقع إسرائيل الإقليمي خلال العقد القادم، مع التركيز على الأبعاده الاستشرافية ورؤية المستقبل الإسرائيلي.
أولاً: الفكرة المركزية للتقدير
ينطلق الكتاب من أن إسرائيل تقف أمام مرحلة انتقالية تاريخية نتجت عن تراكم عدة متغيرات كبرى: تداعيات العدوان على غزة، وتصاعد المواجهة مع إيران ومحور المقاومة، وأزمة الثقة بين الجمهور والمؤسسات الأمنية والسياسية، والانقسام الداخلي حول هوية الدولة، وصعود اليمين الديني والقومي المتشدد.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يحكم الكتاب ليس: من سيفوز في انتخابات عام 2026م؟ بل: أي إسرائيل ستخرج من هذه الانتخابات؟ وهل ستكون امتداداً لحقبة نتنياهو أم بداية لمرحلة جديدة مختلفة؟
اعرف أكثر
السيسي يواجه مخططات إسرائيل وغيرها برؤية متكاملة خلال مشاركته في قمة مجموعة السبعة
ويتعامل المؤلف مع الانتخابات باعتبارها استفتاءً على نموذجين متنافسين: نموذج اليمين القومي الديني الذي يسعى إلى إعادة صياغة الدولة وفق رؤية أكثر محافظة وقومية، ونموذج الوسط والمعارضة الذي يدعو إلى استعادة التوازن المؤسسي وتخفيف حدة الاستقطاب الداخلي.

ثانياً: الرؤية الاستشرافية العامة للكتاب
تكمن قيمة الكتاب الأساسية في أنه لا يكتفي بوصف المشهد السياسي، بل يحاول استشراف اتجاهاته المستقبلية. فالكاتب يرى أن إسرائيل دخلت مرحلة من السيولة السياسية الممتدة، وأن نتائج الانتخابات المقبلة لن تُحسم فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر تفاعلات أمنية وعسكرية ومجتمعية أعمق.
ويحدد المؤلف عدداً من التحولات البنيوية التي ستؤثر في مستقبل إسرائيل، منها: تراجع مركزية اليسار التقليدي، وصعود اليمين الديني من الهامش إلى مركز القرار، وتعمق الانقسام بين العلمانيين والمتدينين، وتآكل الثقة بالمؤسسات السياسية، وتحوّل الصراع على السلطة إلى صراع على هوية الدولة نفسها، واستمرار مركزية العامل الأمني في تشكيل السلوك الانتخابي. من هنا فإن المؤلف يتعامل مع انتخابات عام 2026م باعتبارها بداية دورة سياسية جديدة أكثر من كونها مجرد تغيير حكومي.
ثالثاً: نتنياهو باعتباره محور المستقبل الإسرائيلي
يخصص الكتاب مساحة واسعة لتحليل ظاهرة بنيامين نتنياهو، ليس بوصفه رئيس حكومة فقط، بل باعتباره ظاهرة سياسية أعادت تشكيل النظام السياسي الإسرائيلي خلال العقود الثلاثة الماضية.
اعرف أكثر
التحقيق في فضائح “النساء والولادة” بمستشفى الشاطبي
الرؤية الاستشرافية للمؤلف هنا تقوم على فكرة مهمة: حتى لو خسر نتنياهو الانتخابات، فإن «النتنياهوية» قد تبقى حاضرة داخل بنية النظام السياسي الإسرائيلي. فالتحولات التي قادها الرجل في مجالات الأمن والتحالفات والهوية السياسية تجاوزت شخصه وأصبحت جزءاً من البنية السياسية الإسرائيلية.

ويرى المؤلف أن مستقبل نتنياهو يعتمد على ثلاثة متغيرات رئيسية: نتائج وتداعيات الحروب الأخيرة، وقدرة المعارضة على توحيد صفوفها، ونجاحه في إعادة تقديم نفسه باعتباره «رجل الأمن» القادر على إدارة التهديدات الإقليمية.
ومن الناحية الاستشرافية، يعتقد الكاتب أن ضعف نتنياهو لا يعني بالضرورة نهاية عصره، لأن البديل السياسي ما زال غير قادر على بناء إجماع وطني واسع.
رابعاً: صعود اليمين الديني كأهم تحول مستقبلي
ربما تكون أهم أطروحات الكتاب هي اعتباره أن التحول الأعمق في إسرائيل لا يتعلق بنتنياهو نفسه، بل بصعود اليمين الديني القومي. فشخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن جفير لا تُقدَّم باعتبارها ظاهرة عابرة، وإنما كمؤشرات على انتقال مركز الثقل السياسي من اليمين التقليدي إلى اليمين العقائدي الأكثر تشدداً.
اعرف أكثر
ميسي يتصدر قائمة الهدافين الموندياليين بهاتريك محزن للعرب في الجزائر
ويقدم المؤلف سموتريتش باعتباره “العقل الأيديولوجي” الذي يعمل على إعادة هندسة الدولة من الداخل عبر المؤسسات والقوانين والسياسات الاستيطانية، بينما يمثل “بن جفير” الوجه الشعبوي والأمني الأكثر صدامية. ومن منظور استشرافي، يتوقع الكتاب أن استمرار صعود هذين التيارين سيؤدي إلى تعزيز المشروع الاستيطاني، وزيادة نفوذ المؤسسات الدينية، وتراجع فرص التسوية السياسية مع الفلسطينيين، وتصاعد الاحتكاك مع بعض القوى الغربية، وتعميق الانقسام الداخلي الإسرائيلي.

وهنا يذهب الكتاب إلى أبعد من التحليل الانتخابي، إذ يعتبر أن إسرائيل تتجه نحو إعادة تعريف هويتها السياسية والدينية بصورة أعمق مما كان عليه الحال خلال العقود الماضية.
خامساً: المعارضة ومستقبل ما بعد نتنياهو
رغم النقد الكبير الذي يوجهه المؤلف لنتنياهو، فإنه لا يقدم المعارضة باعتبارها بديلاً جاهزاً للحكم. فالكتاب يرى أن المشكلة الأساسية للمعارضة ليست إسقاط نتنياهو، بل الاتفاق على ما بعد نتنياهو. لذلك يناقش أدوار نفتالي بينيت، ويائير لابيد، وبني جانتس، وجادي أيزنكوت، وأفيجدور ليبرمان باعتبارهم مشاريع قيادة متنافسة أكثر من كونهم جبهة موحدة.
اعرف أكثر
محمد شاهين يسطر لـ”إندكس” من غزة عن السر في تشجيع فلسطينى القطاع للمنتخب المصري وسط الجوع والحصار
وتتجلى الرؤية الاستشرافية هنا في توقع أن نجاح المعارضة لن يحل بالضرورة أزمة الاستقرار السياسي؛ لأن الانقسامات البنيوية داخل المجتمع الإسرائيلي أعمق من أن تعالجها انتخابات واحدة.
سادساً: الفلسطينيون في الداخل بوصفهم “عنصر حسم”
من الجوانب اللافتة في الكتاب تخصيص فصل كامل لفلسطينيي الداخل. فالمؤلف لا ينظر إليهم باعتبارهم كتلة انتخابية هامشية، بل باعتبارهم أحد العوامل المرجحة في تشكيل الحكومات المقبلة، خصوصاً في ظل التقارب العددي بين معسكري اليمين والمعارضة. ويحلل أدوار شخصيات مثل أحمد الطيبي وأيمن عودة ومنصور عباس باعتبارها تعبيراً عن اتجاهات مختلفة داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل.

ومن منظور استشرافي، يطرح الكتاب احتمال تزايد أهمية الصوت الفلسطيني في الداخل في المعادلة السياسية الإسرائيلية كلما استمرت حالة الاستقطاب الحاد بين الكتل اليهودية الكبرى.
سابعاً: السيناريوهات المستقبلية
يعد بناء السيناريوهات أبرز عناصر الكتاب الاستشرافية.
السيناريو الأول – استمرار هيمنة اليمين: يفترض هذا السيناريو نجاح نتنياهو أو معسكره في الحفاظ على الأغلبية عبر استثمار المخاوف الأمنية واستمرار التهديدات الإقليمية. وفي هذه الحالة يتوقع المؤلف تعاظم نفوذ الأحزاب الدينية، وتوسع النشاط الاستيطاني، وتشدد أكبر تجاه الفلسطينيين، واستمرار التوتر مع بعض القوى الغربية.
اعرف أكثر
حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟
السيناريو الثاني – انتصار المعارضة: يقوم هذا السيناريو على نجاح قوى الوسط واليمين المعتدل في بناء تحالف واسع قادر على هزيمة نتنياهو. ويتوقع الكتاب عندئذ تهدئة نسبية في الساحة الداخلية، وتحسين العلاقات مع الغرب، وتجميد بعض مشاريع اليمين الديني، ومحاولة إصلاح المؤسسات السياسية والقضائية.
السيناريو الثالث – المأزق السياسي: وهو السيناريو الذي يبدو أن المؤلف يمنحه أعلى درجات الترجيح. فإسرائيل، وفق رؤية الكتاب، قد تعود إلى دائرة الحكومات الهشة والائتلافات المؤقتة والانتخابات المتكررة، نتيجة عدم قدرة أي معسكر على حسم الأغلبية المطلوبة. وهذا السيناريو يعكس رؤية أوسع لدى المؤلف مفادها أن الأزمة الإسرائيلية الحالية أزمة بنيوية وليست أزمة أشخاص.

ثامناً: نقاط القوة في الرؤية الاستشرافية
يتميز الكتاب بعدة نقاط قوة، منها الربط بين السياسة الداخلية والبيئة الإقليمية، والتركيز على التحولات البنيوية لا على الأشخاص فقط، واستخدام منهج السيناريوهات المستقبلية، ودراسة التفاعلات بين الأمن والهوية والدين والسياسة، وإعطاء مساحة لدور فلسطينيي الداخل بوصفهم فاعلاً مؤثراً، كما أن المؤلف ينجح في إظهار أن الانتخابات ليست حدثاً منفصلاً، بل نتيجة لتراكمات أمنية واجتماعية وثقافية طويلة الأمد.
ورغم أهمية الكتاب وتوقيته سجل بعض المتابعين بعض الملاحظات، منها يغلب عليه أحياناً التركيز على الشخصيات أكثر من المؤسسات، ويفترض استمرار الاتجاهات الحالية دون مناقشة كافية للمتغيرات المفاجئة، ويمنح العامل الأمني وزناً كبيراً ربما يفوق أحياناً تأثير العوامل الاقتصادية، ولا يقدم تقديرات كمية دقيقة لاحتمالات تحقق كل سيناريو، ومع ذلك يشيرون إلى أن هذه الملاحظات لا تقلل من القيمة التحليلية للعمل.
اعرف أكثر
فضائح قتل العبيد فضحتها كرة القدم : من هو منتخب حى الهرم الشهير بكوراساو الذي أحرز هدفا في ألمانيا؟
ختاما
يُعد هذا الكتاب دراسة استشرافية مهمة لفهم إسرائيل ما بعد العدوان على غزة، وما بعد مرحلة الاستقرار النسبي التي عرفتها خلال العقدين الماضيين. فالمؤلف لا يسأل فقط عن هوية الفائز في انتخابات 2026م.
بل يحاول استكشاف الاتجاه الذي تسير نحوه الدولة الإسرائيلية نفسها. وتتمثل أطروحته الأساسية في أن إسرائيل تواجه اليوم صراعاً على الهوية أكثر من كونها تواجه صراعاً انتخابياً عادياً، وأن نتائج الانتخابات المقبلة ستكون انعكاساً لتحولات أعمق تتعلق بمكانة الدين، ومستقبل اليمين، ودور المؤسسة الأمنية، وطبيعة العلاقة مع الفلسطينيين والعالم.

اعرف أكثر
وبهذا المعنى، فإن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في توقع من سيفوز بالانتخابات، بل في محاولته رسم خريطة للمستقبل الإسرائيلي خلال السنوات العشر القادمة، واستكشاف ما إذا كانت إسرائيل تتجه نحو استمرار حقبة نتنياهو بصيغ جديدة، أم نحو ولادة نظام سياسي مختلف يحمل توازنات وتحالفات جديدة.
*الكاتب، أ.د/ محمد أحمد صالح أستاذ الدراسات العبرية والإسرائيلية ومدير مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة، الصادر ضمن سلسلة الدراسات الدينية والتاريخية العدد 53 – 2026م
