
في الصورة ما لا تقوله البيانات الرسمية، وما لا تسجله محاضر الاجتماعات المغلقة، في الصورة مواطن من غزة يلف جسده المنهك بعلم مصر، وقد خرج من تحت الرماد ليهتف لمنتخبها في مباراته أمام بلجيكا ضمن كأس العالم 2026.
ليس احتفاء سطحيا بكرة القدم، بل هو إعلان وجود ورسالة عميقة تقول إن غزة رغم الحصار ورغم النار ورغم الموت البطيء ما زالت تختار مصر لتكون مرآتها، التي ترى فيها وجهها العربي الأصيل.
إن هذه الصورة ليست مجرد لقطة عابرة في زحام الأخبار بل هي اختزال بصري لعلاقة سكنت دواخل الزمن وامتدت جذورها في طين الجغرافيا وأعماق التاريخ فالرجل الغزي الذي يلوح بيده للكاميرا لا يعبر عن مزاج مؤقت بل يمارس طقسا من طقوس الانتماء المتوارث جيلا بعد جيل.
اعرف أكثر
ظلم تحكيمى وهدف هانى الذاتى يحرمان مصر من أول فوز مونديالى مع الجوهري الجديد بالتعادل مع بلجيكا
إنه يعرف أن حدوده الشرقية والشمالية مغلقة وأن خاصرته الغربية موصدة بفعل فاعل ويعرف تمام المعرفة أن مصر هي نافذته الوحيدة على هواء العالم، وهي المعبر الذي لا يغلق بابه في وجه الحنين ولا في وجه الحاجة.

إنني كاتب هذه السطور وقد خبرت طبائع الصراع في هذا الإقليم لسنين، أستطيع أن أزعم أن ما يربط غزة بمصر ليس مجرد عروبة سياسية عابرة بل هو تداخل عضوي في النسيج الإنساني والاجتماعي والقانوني فغزة التي كانت جزءا من الحلم المصري في مواجهة الخطر الصهيوني وغزة التي حملت راية الصمود في وجه الكارثة عام 194.
ولم تكن يوما مجرد عمق استراتيجي للأمن القومي المصري بل كانت

ومازالت جزءا من الشخصية المصرية نفسها إنها ذلك الامتداد الطبيعي الذي يبدأ من قلب القاهرة ويمر عبر سيناء الصلبة ليزهر في قلوب بشر لا يعرفون اليأس.
وحين حاولت بعض محاولات الهندسة السياسية أن تفصل غزة عن دائرتها المصرية باءت تلك المحاولات بالفشل الذريع لأنها كانت تصطدم بحائط من الحقائق الراسخة التي تتجاوز منطق الاتفاقات والتسويات فالذاكرة الجمعية هناك لا تقرأ التاريخ بوصفه سردية سياسية باردة بل بوصفه سيرة عائلة كبيرة فرع منها على ضفاف النيل وفرع منها على شاطئ المتوسط.
اعرف أكثر
شوط مونديالى ولا أروع..حسام حسن الجوهرى الجديد..صلاح تانى ودفاع مرن وطريقة لعب مفاجأة
تربطها بالقاهرة مصالح أمنية وقانونية واقتصادية، وتربطها بها أيضا أفراح كرة القدم وأحزان الحصار ومواسم الحج والعمرة وجدليات الفكر والسياسة.

إن القانون الدولي الإنساني الذي بات سلاح الضعفاء الوحيد في هذا العصر لا يعترف بشرعية الحصار الذي يحاول عزل غزة عن محيطها الحيوي، لكن مصر وهي الدولة العظيمة القلقة على أمنها الدائم مارست دورها في حماية البوابة بمنطق المسؤولية التاريخية لا بمنطق الواجب القانوني فقط فكانت الطريق الذي يسلكه الجريح والمريض والطالب والتاجر وكانت الحبل السري الذي يغذي المدينة بالحياة حين يحاول الآخرون خنقها.
وفي زمن ضبابية التحالفات وتغير الأولويات تبقى صورة المواطن الغزي وهو يشجع منتخب مصر الشهادة الأبلغ على أن ثمة روابط لا تستطيع سياط الاحتلال كسرها ولا تستطيع غدرانات السياسة تعكيرها، فالرجل الذي رفع العلم المصري في وجه العالم كان يقول بكل بساطة إن مصر ليست دولة جوار بالنسبة له بل هي جزء من تعويذة بقائه ومن قاموسه الوجداني الذي يحفظه عن ظهر قلب.
اعرف أكثر
أزمة قضائية تضرب نقابة الفنانين التشكيليين تصل لعدم القدرة على أى سداد مالى
هذا المشهد الذي اختزل عواصف السياسة في ومضة إنسانية دافئة يذكر أرباب القرار في المنطقة بأن الجغرافيا قدر والشعوب ذاكرة لا تموت فغزة التي استقبلت الرئيس جمال عبد الناصر يوم زارها عام 1948 ليقول إنها خط الدفاع الأول عن مصر هي نفسها

غزة التي تخرج اليوم من تحت القصف، لتقول لمصر إن حبها راسخ في الوجدان لا يزعزعه غبار المعارك ولا حسابات المصالح الضيقة إنها معادلة السياسة العليا التي تسقط أمامها كل المعادلات الصغرى حين يصبح الهتاف للمنتخب المصري هو الشكل المعاصر لإلقاء التحية على العلم المصري في ساحة المعركة.
