جاءنا الآن
الرئيسية » التحليل اللحظي » د.م ماهر عزيز يسطر: العلاقة اللاهوتية بين اليهودية والمسيحية..الوثيقة الفاتيكانية وموقعها بين التوراة والقرآن

د.م ماهر عزيز يسطر: العلاقة اللاهوتية بين اليهودية والمسيحية..الوثيقة الفاتيكانية وموقعها بين التوراة والقرآن

أصدر الفاتيكان مذكرة جديدة بمناسبة مرور 60 عامًا على وثيقة “نوسترا إيتاتي”، شدد فيها على العلاقة اللاهوتية الفريدة بين المسيحية واليهودية ومواصلة مكافحة ما أسموه بمعاداة السامية.

وجاء في الوثيقة: “عهد الله مع الشعب اليهودي غير قابل للإلغاء”، مؤكدة أن الحوار اليهودي-المسيحي ليس مجرد حوار دبلوماسي، بل مرتبط بهوية المسيحية نفسها.

كما جددت استنكار الكنيسة “للكراهية والاضطهاد ومظاهر معاداة السامية الموجهة ضد اليهود في أي وقت ومن أي جهة”.

واستذكرت المذكرة تعاليم البابا لاوون الرابع عشر بأن “لجميع المسيحيين علاقة خاصة باليهودية” لجذورها اليهودية، وأن الحوار اللاهوتي بينهما “يبقى مهمًا للغاية وقريبًا إلى قلبي”.

وشددت على أن الحوار بين الأديان لا يعني التخلي عن العقيدة، بل يجب تجنب “النسبية والتوفيقية الدينية” مع التمسك بالهوية والانفتاح على الآخر.

الوثيقة الكاملة:
https://www.thisislebanon.com/arab-and-world/772038/

“الوعد الإبراهيمي” مفتاح لفهم العلاقة بين الأديان الثلاثة. لكن هناك فارق منهجي: التوراة تعرض العهد مع إبراهيم بصيغة مباشرة واضحة، بينما القرآن يذكر إبراهيم وذريته والبركة والقيادة والمدينة الآمنة بشكل متكرر دون نفس الصياغة، مع إقراره بالعهد الإبراهيمي.

فيما يلي آيات الوعد في التوراة والقرآن، مع التمييز بين الآيات الأساسية والمؤكدة له.

أولًا: الوعد الإلهي في التوراة:

يتلخص الوعد في سفر التكوين في سبعة عناصر:
1. جعل إبراهيم أمة عظيمة.
2. مباركته وتعظيم اسمه.
3. جعل البركة من خلاله لجميع الأمم.
4. إعطاء الأرض لنسله.
5. تكثير نسله إلى أمم وملوك.
6. إقامة عهد أبدي معه ومع نسله.
7. تحديد إسحاق حاملًا للعهد.

أهم النصوص:
– تكوين 12: 1-3: “فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة… وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض”. وهو النص الجامع للوعد.
– تكوين 12: 7: “لنسلك أعطي هذه الأرض”.
– تكوين 13: 14-17: “جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد… وأجعل نسلك كتراب الأرض”.
– تكوين 15: 4-5: “هكذا يكون نسلك” كنجوم السماء.
– تكوين 15: 18-21: “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”.
– تكوين 17: 1-8: النص الأوضح للعهد الأبدي: “وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا… وأعطي لك ولنسلك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكًا أبديًا”. وهذا أصل عبارة الفاتيكان “عهد الله غير قابل للإلغاء”.
– تكوين 17: 15-21: التمييز بين إسماعيل وإسحاق: “وأما عهدي فأقيمه مع إسحاق… وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه… أجعله أمة كبيرة”.
– تكوين 18: 18، و 22: 15-18: تجديد الوعد بعد الامتحان: “ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض”.
– تكوين 26: 2-5 و 28: 13-15، تجديد الوعد لإسحاق ويعقوب.

ثانيًا: الوعد الإلهي في القرآن:

القرآن لا ينقل نص التكوين حرفيًا، لكنه يقدم عهدًا إبراهيميًا متكاملًا.

1. البقرة 124: النص الأهم: “وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين”. تذكر الإمامة والذرية والعهد مع قيد الظلم.
2. البقرة 125-129: ربط إبراهيم وإسماعيل بالبيت: “رب اجعل هذا بلدًا آمنًا… ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك… ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم”.
3. آل عمران 33-34 و 68: “إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم… ذرية بعضها من بعض” و “إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه” مما يضيف البعد الإيماني للقرب.
4. النساء 54: “فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا”.
5. الأنعام 74-84، والعنكبوت 27: “ووهبنا له إسحاق ويعقوب… وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب” وهي آية محورية في امتداد البركة.
6. إبراهيم 35-41: الربط بين الذرية والبيت المحرم: “ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم”.
7. آيات البشارة: هود 69-76، الحجر 51-56، مريم 41-50، الأنبياء 51-73، الصافات 83-113: تؤكد البشارة بإسحاق ويعقوب واستمرار الهداية في ذريتهما مع قوله “ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين” الموازية لـ “لا ينال عهدي الظالمين”.

خلاصة المقارنة:

– الاختيار الإلهي لإبراهيم ثابت في الكتابين.
– النسل والكثرة والبركة عناصر مركزية مشتركة.
– الأرض مركزية في التوراة، ومشار إليها في القرآن بالأرض المقدسة والبلد الآمن والبيت الحرام.
– لفظ “عهدي” وارد صراحة في القرآن.
– إسحاق هو حامل العهد في التوراة، وهو نبي مبارك في القرآن، بينما إسماعيل مبارك وأمة عظيمة.
– البيت الحرام مرتبط بإبراهيم وإسماعيل في القرآن دون مقابل له في عهد التوراة.
– الامتداد: في التوراة إبراهيم ← إسحاق ← يعقوب، وفي القرآن إبراهيم ← إسماعيل وإسحاق وذريات متعددة.

نقطتان للبحث المعمق:

الأولى: المقارنة بين “عهدًا أبديًا” في تكوين 17: 7-8 و “جعلنا في ذريته النبوة والكتاب” في العنكبوت 27. هل يتعامل القرآن مع الوعد باعتباره نسبيًا عرقيًا أم إيمانيًا مشروطًا؟ وكيف فسرت المسيحية “نسل إبراهيم”؟ وهذا مرتبط مباشرة بعبارة الفاتيكان “عهد الله غير قابل للإلغاء”.

الثانية: إذا كان القرآن يقر بالوعد الإلهي لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأرض كنعان، فلماذا استمرار العداء بين العالم العربي/الإسلامي وإسرائيل؟ ولماذا الإصرار على سردية “أعطى من لا يملك” التي ظهرت منذ منتصف القرن الماضي ودمرت مستقبل المنطقة، وخاصة مصر؟ أليس الاعتراف بالوعد أدعى لإحلال السلام وزوال شعار “هنرميهم في البحر”؟

حاشية: وثيقة نوسترا إيتاتي

صدرت في 28 أكتوبر 1965 في المجمع الفاتيكاني الثاني، وتعني “في عصرنا”. وتمثل تحولًا تاريخيًا نحو الحوار.

أهم محاورها:
– الوحدة الإنسانية وأصل البشر واحد.
– الموقف من الإسلام: تنظر بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد، وتقر إكرامهم لعيسى ومريم وصلاتهم وصومهم، وتدعو لنسيان صراعات الماضي.
– الموقف من اليهودية: إقرار الجذور المشتركة، وتبرئة اليهود جماعيًا من تهمة قتل المسيح، وإدانة معاداة السامية.
– احترام ما هو حق ومقدس في الهندوسية والبوذية.
– شجب كل تمييز بسبب الجنس أو العرق أو الدين.

 

*الكاتب، محلل استراتيجي خبير في عدة ملفات

المقالات مساحات خاصة بكتابها، وليس بالضرورة أن تتوائم مع السياسة التحريرية لموقعنا

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *