
بالأمس القريب وتحديدا فى التاسع من شهر سبتمبر 2025 وقف رئيس الوزراء الأثيوبى، وحوله مجموعة مختارة من رؤساء الدول والحكومات، وأمام وسائل الاعلام المحلية والعالمية المختارة، أعلن بكل ثقة عن انتهاء أعمال بناء سد النهضة وبدء مرحلة تشغيل السد بكامل طاقته وبدء مرحلة جنى الأرباح.
وعندما سئل عن رأيه فى تحفظات دولتى المصب مصر والسودان وعدم موافقتهما على الإدارة المنفردة لملئ وتشغيل السد وضرورة وجود تنسيق بين الدول الثلاث فى هذا الخصوص، رد وبكل ثقة بأن هذه التحفظات ليس لها أية أساس من الصحة، بل وأكد على أن مشروع سد النهضة أنشئ بمعايير عالمية ليس لمصلحة اثيوبيا فقط بل لكل دول المنطقة.
لم يتم توليد كهرباء من السد
وأشار لوجود عدد 13 توربين لتوليد كهرباء تم تركيبها على مجرى السد، وهى كافية لتوليد كهرباء لإضاءة القارة الأفريقية بأكملها، علما بأن التقارير تشير إلى أنه حتى الآن لم يتم توليد أي كهرباء من السد ، إضافة الى استحالة استخدامه في الزراعة، نظرًا لأن المنطقة المحيطة بالسد ذات طبيعة جبلية وغير مناسبة للزراعة.
اعرف أكثر
د.ما وي مين يسطر لـ”إندكس”: “الحتمية التاريخية”..خطة الصين الحاسمة لدمج تايوان
إلا أنه، ولسوء القدر وبعد مرور أقل من أسبوعين على الافتتاح الوهمى لمشروع السد والإعلان عن إنتهاء الأعمال وبدء التشغيل ، ونتيجة لزيادة كميات المياه المخزنة، إضافة إلى زيادة كمية مياه الفيضان وعدم القدرة على التحكم فيها.

فيضان مصطنع
قامت السلطات الإثيوبية فجأة بفتح 4 بوابات من المفيض العلوى للسد لتفريغ جزء من المخزون المائى لبحيرة السد نتيجة لشدة الفيضان، وهو مانتج عنه تصريف أكثر من 485 مليون م3 من المياه فى اليوم.
ثم زيادتها الى 750 مليون م3/ يوم، وهو مانتج عنه تصريف حوالى 2 مليار م3 من المياه، وبشكل مفاجئ، وخلال مدة قصيرة، ودون تنسيق مسبق مما أدى إلى حدوث فيضان غير معتاد فى نهاية سبتمبر وأول أكتوبر 2025، وهو مانتج عنه غرق وتدمير مئات الأفدنة والمنازل والقرى بدولة السودان الشقيقة .
التوربينات متوقفة والبحيرة ممتلئة
مؤخرا، وتحديدا يوم الثلاثاء الموافق الثامن والعشرين من شهر ابريل 2026، أظهرت صور الأقمار الصناعية الحديثة توقف توربينات سد النهضة العلوية خلال الأسبوعين الآخرين من شهر ابريل 2026 بعد تشغيل محدود، مع استمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو الماضى 2025.
اعرف أكثر
حركة سودانية تزعم محاصرة عناصر مصرية تنسق مع الجيش في ولاية النيل الأزرق لرصد تطورات السد الإثيوبي
تظهر الصور الحديثة بحيرة السد بنفس الحجم دون تغيير يذكر منذ العاشر من شهر أبريل 2026 بنحو 47 مليار م3 عند منسوب ارتفاع بلغ حوالى 629 م فوق سطح البحر و بقيمة انخفاض وصلت الى 11 م فقط عن أعلى منسوب وصلت اليه عند افتتاح السد فى التاسع من سبتمبر الماضى وهو640 م .

توقع موسم أمطار كبيرة
وكما هو معلوم فان موسم الأمطار يبدأ جغرافيا فى منطقة حوض النيل الأزرق فى الأسبوع الأول من مايو كل عام، أى خلال الأيام القادمة ، فى الوقت الذى تمتلئ فيه البحيرة حاليا، و التى كان من المفترض فى حالة التشغيل السليم للسد و مع تشغيل التوربينات أن تتدفق المياه فى اتجاه مصر والسودان.
وبالتالى ينخفض سعة البحيرة إلى ما يقارب 20 مليار استعدادا لاستقبال مياه الفيضان الجديدة بدلا من 47 مليار م3 المخزنة حاليا فى البحيرة.
اعرف أكثر
النور قبة القائد الكبير الذي انشق عن الدعم السريع يكشف أسرار انضمامه للجيش ومخبأ حميدتى
منسوب البحيرة سيتجاوز الحدود مع الأمطار المرتقبة
هذا وتشير القياسات والبيانات السابقة إلى أن الإيرادات المائية السنوية من الأمطار خلال فترة الفيضان عند سد النهضة من بدايته فى شهر مايو وحتى شهر أكتوبر يبلغ أكثر من 40 مليارم3، وربما أكثر فى حالة زيادة معدل سقوط الأمطار عن المعدل الطبيعى، وهو الأكثر توقعا طبقا لتنبؤات الأمطار.
ومن هنا يتضح أنه إذا استمر توقف تشغيل التوربينات أو لم يتم تشغيلها بالشكل الأمثل، كما هو حادث حاليا فإن مخزون بحيرة السد سوف يستمر فى الزيادة بشكل مبالغ فيه مع استمرار زيادة الأمطار ، حيث تشير التقديرات إلى أن متوسط الإيرادات المائية عند سد النهضة حاليا يبلغ قرابة 12 مليون م3/يوم.

سيناريو الغرق سيتكرر
ويرتفع تدريجيا إلى قرابة 20 مليون م3/يوم خلال شهر مايو و إلى ما يقارب 60مليون م3/يوم فى يونيو وصولا إلى أكثر من 500 مليون م3/يوم خلال شهر أغسطس، وعليه فقد تضطر إثيوبيا إجبارا وليس اختيارا إلى فتح بوابات المفيض لتفريغ جزء من المياه المخزنة العام الماضي استعدادا لاستقبال الفيضان الجديد ودون تنسيق مع دولتى المصب مصر والسودان.
مما قد يكرر سيناريو العام الماضي من غرق وتدمير للممتلكات فى السودان و فقدان مصر لجزء كبيرًا من حصتها من المياه .
السد قنبلة موقوتة
كل ذلك يؤكد بما لايدع مجالا للشك صدق ما تم التحذير منه مسبقا بأن مشروع السد، هو بمثابة قنبلة موقوتة قابلة للانفجار فى أى وقت بسبب سوء إدارة لمشروع السد والتعنت الإثيوبي والانفراد بالقرار.
اعرف أكثر
أخبار مطمئنة من أعماق النيل: ارتفاع كبير في بحيرة فيكتوريا مع تواصل مواسم الأمطار فوق المتوسطة
وهو ما ظهر واضحا فى موضوع تشغيل وإدارة التوربينات والذى قد يعود إلى مشاكل فنية فى التصميم والتركيب وعدم الجاهزية للتشغيل رغبة فى سرعة الإعلان والاحتفال بتشغيل السد من قبل الإدارة الإثيوبية.

أين الإدارة الرشيدة؟
وهو ما يؤكد على أن مشروع سد النهضة يحتاج إلى إدارة رشيدة واعية مشتركة وتنسيق من قبل اثيوبيا مع دولتى المصب مصر والسودان، وذلك منعا لحدوث كوارث لا يحمد عقباها عطفا على ما حدث نهاية سبتمبر الماضى وتعرض دولة السودان فجأة ودون سابق انذار لفيضان كبير استمر لأكثر من أسبوعين نتج عنه غرق وتدمير مئات الأفدنة والمنازل والقرى .
كل هذا يؤكد على الرؤية المصرية، التى سبق وأعلنتها أمام العالم أجمع ومازالت تؤكد عليها، وهى أن مصر لم ولن تكون عائقا أمام خطط التنمية فى أية دولة من دول القارة الأفريقية.
اعرف أكثر
حماد عبدالله حماد يسطر: هل تتجه الحكومة من جديد إلى أسواق الدين الدولية؟
مصر لن تسمح بمساس حصتها
كما وأنها لن تسمح بأى حال من الأحول بأن يتم المساس بحصتها التاريخية من مياه نهر النيل، والذى يعد المصدر الرئيسى أن لم يكن الوحيد لمصادر المياه لما يقارب 110 مليون مواطن يعيشون على أرضها.
كذلك تؤكد الدولة المصرية على ضرورة وجود اتفاق ملزم لجميع دول منطقة حوض النيل بما لا يسمح لأية دولة بإقامة أية مشروعات على مجرى نهر النيل دون توافق بين جميع دول المنطقة وبما لا يؤثر على الحصص التاريخية المقررة لكل دولة مع احتفاظ مصر بكافة الحقوق والسبل للدفاع عن حقوقها التاريخية.
الكاتب، أستاذ جيولوجيا المياه ورئيس جامعة الفيوم السابق
