شائعة موت حميدتى واستفادته منها
من أبرز تلك المقولات التي شغلت متابعي الحرب السودانية خلال النقاش العام، سردية “موت حميدتي” قائد “الدعم السريع” التي بلغت من الذيوع والانتشار والتأثير في وعي عامة السودانيين وغيرهم من متابعي مجريات الحرب، فبدت تلك الشائعة المنسوجة بإحكام في الـ”سوشيال ميديا”، كما لو أنها بديهية من بديهيات واقع الحرب السودانية، وبطريقة بلغ فيها مستوى التسطيح لتلك القناعة حداً مثيراً يستهجنه كل من له أدنى إلمام بقواعد نقل الخبر والمعلومات.
لكن استغلها حميدتى ومن وراءه بصورة كبيرة، وواضح أنه كان مصابا ، وتم علاجه خلال هذه الفترة التى غاب فيها، ثم ظهر ليوظف بشكل جديد.
فلا الجيش السوداني أعلن في بيان رسمي مقتل “حميدتي”، كما لم تنشر أية وسيلة إعلام مسؤولة خبراً يفيد بمقتله، لكن الساحة الحقيقية لتلك الشائعة كانت تنشرها في وسائط الـ”سوشيال ميديا” وعبر نشاط مجموعة من هواة الناشطين في “فيسبوك”، بحيث عملت حسابات غزيرة ونشطة لمؤيدي الحرب وداعمي الجيش من عناصر النظام القديم في الـ”سوشيال ميديا”.
وكان للإدارة والخبرة الطويلة في ممارسة استراتيجيات التضليل دورها في تعميم تلك الكذبة، حتى تكشفت حقائق الواقع بخلاف ذلك عندما ظهر قائد “الدعم السريع” خلال جولة معلنة لعدد من رؤساء دول أفريقية عدة مثل أوغندا وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي وجنوب أفريقيا وجنوب السودان ورواندا.
لقد كانت المفارقة العجيبة بخصوص شائعة موت حميدتى أن الذين نشروها وتولوا تكبيرها في وسائل الإعلام لم يكونوا من عامة الناس الذين تسري عليهم مثل هذه الشائعات، بل تورط في نشر تلك الكذبة سياسيون معروفون من أمثال السيد مبارك الفاضل رئيس أحد فروع “حزب الأمة” وعدد من الصحفيين السودانيين على رأسهم الصحفي المعروف عثمان ميرغني.
استراتيجية الأقاويل المضللة في توجيه النقاش العدمي حول هذه الحرب لعبت فيها خبرات إعلامية حكومية لأجهزة أمنية عرفت بقدرتها على تطوير تلك التوجهات باتجاهات لتسليط الضوء على نقاط معينة.
وعلى ضوء ذلك استثمر صانعو استراتيجيات التضليل في هذه الحرب، لا سيما من أنصار النظام القديم، أمثال رئيس تحرير صحيفة “السوداني” ضياء الدين بلال بعض المقولات التي تم تصميمها لتضخ قناعات مجوفة في أذهان كثيرين من البسطاء، مثل مقولة “ضرورة خروج قوات ’الدعم السريع‘ من بيوت المواطنين في الخرطوم كشرط مسبق لوقف إطلاق النار”.
وهذه المقولة تتم إعادة ترويجها في كل نقاش عام حول الحرب سواء من خلال تصريحات قائد الجيش عبدالفتاح البرهان ومنسوبي وزارة الخارجية السودانية، أو من أنصار النظام القديم، من دون التأمل في طبيعتها، أو التحقيق في ما إذا كانت لا تزال بنداً قائماً في مفاوضات “منبر جدة”، أو أنه بند تم سحبه لاحقاً من المنبر ليصبح فقط حجة بلاغية لاستهلاك نسقي في النقاش يصرف الناس عن الحقائق المتصلة بهذه الحرب.
إن تصور فكرة وجود المواطنين داخل منازلهم في ظل اندلاع حرب مدن عنيفة مثل التي حدثت في الخرطوم منذ الـ15 من أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” هي فكرة لا تتسق مع منطق الحرب العام، لا سيما أن تقارير الأمم المتحدة وصفت نزوح أكثر من 7 ملايين سوداني عن مناطق الحرب بأنه “أكبر نزوح في العالم”، وهو رقم غير مسبوق عالمياً، في دلالة واضحة على أثر الحرب العنيف الذي يبرر خروج المواطنين من ديارهم.
لكن مع ذلك يتم الترويج لفكرة احتلال بيوت المواطنين من طرف مؤيدي الحرب لسببين، الأول هو رفع الحرج عن مسؤولية الجيش السوداني في الدفاع عن ممتلكات المواطنين، والثاني تبرير الاستمرار في الحرب على رغم المؤشرات الواضحة للهزائم الاستراتيجية التي مني بها الجيش فيها.
وبحسب إفادات مسربة، أقر رئيس وفد الجيش في مفاوضات “منبر جدة” اللواء الركن محجوب بشرى بأنه قد تم سحب بند خروج قوات “الدعم السريع” من منازل المدنيين من قائمة بنود مفاوضات “منبر جدة” والذي أكده كذلك قائد قوات “الدعم السريع” في آخر حوار له مع قناة “سكاي نيوز عربية”، حين قال إن الجيش في “منبر جدة” أقر بسحب بند خروج قوات “الدعم السريع” من البيوت عندما اشترطت “الدعم” المعاملة بالمثل، كما برر حميدتي في ذلك اللقاء احتماء جنوده بمنازل المدنيين في الأحياء بسبب القصف المكثف لطائرات الجيش ونتيجة لعدم التزام الأخير الهدن ولأن “الدعم السريع” ليست لديه طائرات.
انتهاكات الدعامة ضد السودانيين
بطبيعة الحال، لا يعني تفنيدنا لسردية وجود قوات “الدعم السريع” في منازل المواطنين سحب أي غطاء عن انتهاكات وتجاوزات وقعت على المواطنين من جانبها في هذه الحرب، كما وثقت ذلك منظمات أممية وإقليمية معروفة، ووصل الأمر حتى الاغتصاب، واعترف حميدتى نفسه بالانتهاكات، بل واعتذر عنها ، وأكد محاسبة المتورطين فيها.
من الواضح جداً أن توجيه النقاش في استراتيجيات هذه الحرب لدى صانعي سردياتها المضللة من أجل صرف الجيش عن واجب الاستجابة لوقف الحرب هو نشاط تعكف عليه جهات ذات قدرات تمويلية كبيرة وخبرة طويلة في إدارة غرف الدعاية وتصميمها، والمتهم الأول فيها هو الإخوان الذين يريدون استمرار الحرب.
والإخوان يستثمرون في ذلك المخطط تجربة طويلة من إدارة وتشغيل أجهزة إعلامية بكفاءة مؤهلات دولة، لهذا يمكن القول إن الهدف الذي تعكف على تعويمه أجندات مؤيدي الحرب ينحصر في أمرين هما بمثابة مربط الفرس في الكشف عن حقيقة هذه الحرب العبثية، الأمر الأول صرف الناس عن البحث والتحقيق في الطرف الذي تسبب في إشعال هذه الحرب، والثاني رفض وقف الحرب على رغم كل المؤشرات التي تدل على عبثتيها من ناحية، وعلى غلبة ميزان القوى لمصلحة قوات “الدعم السريع” بسبب من وراءه ، من ناحية ثانية، وسط تساؤلات حول مصير الجيش السودانى وسط هذه الضربات المتلاحقة والانتشار الكبير للدعامة.
ومن الواضح جداً أن تلك الأجندة تخشى في حال انتهاء الحرب من نتائج التحقيقات التي ستطاول الطرف الذي تسبب فيها، وما سينجم جراء تلك التحقيقات عن محاكمات عدلية.
