
في قاعة الجمعية العامة، حيث يُفترض أن تعلو راية القانون، وقف بنيامين نتنياهو لا ليعتذر، بل ليعلن براءته. وصف من غادروا القاعة بـ”الجبناء أخلاقياً”، واعتبر اتهامه بالإبادة “أكبر أكذوبة في القرن”. مفارقة تليق بمسرح العبث.
الرجل يلوّح بسيف “الدفاع عن النفس” وينسى أن الدفاع لا يبيح تحويل شعب إلى رهائن في سجن مفتوح، ولا قصف المستشفيات، ولا تحويل الأطفال إلى “أضرار جانبية”.
اتفاقية 1948 عرّفت الإبادة بأنها التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو دينية. هل نحتاج لخبراء لاهاي لنفهم معنى القصف المتواصل والتجويع والتدمير الممنهج؟ الحقيقة أوضح من أي ترجمة.
اعرف أكثر
ماجد الشربينى يسطر: رحيل الزند فقد كبير لقيمة وطنية وقامة قانونية وقضائية تاريخية
يقول: “إسرائيل لم ترتكب إبادة.. بل منعت إبادة”. منطق الجلاد الذي يقول إنه ينقذ ضحاياه من أنفسهم. لغة السلطة حين تفقد شرعيتها، فتختبئ خلف “الأمن” و”الوجود”. هو نفس خطاب الاستعمار القديم: نحمل النور للظلام ولو بالدماء.
يستعرض انتصاراته على سبع جبهات: حماس وحزب الله وإيران والحوثيين ومليشيات العراق وسوريا ومقاومي الضفة. يتحدث كقائد قلعة محاصرة، بينما يقود آلة مدعومة بأعظم ترسانة وحق نقض في مجلس الأمن. أين القلعة المحاصرة وطائراته تحلق بحرية فوق غزة، والصحفيون يُقتلون بالكاميرات، والمستشفيات تُقصف براية الصليب الأحمر؟
اعرف أكثر
ويتحدث عن الأخلاق. الأخلاق في عرفه ليست ما يفعله القوي بالضعيف، بل ما يقوله القوي عن نفسه. سلعة توزع حسب المصلحة. هذا جوهر الازدواجية الدولية: قانون لنا وآخر لهم.
خطابه ليس سياسياً بل وجودي. يدافع عن سردية الضحية الأبدية التي يحق لها كل شيء لأنها عانت يوماً. لكن التاريخ ليس بنك تعويضات. ألم المحرقة لا يبرر نكبة فلسطين المستمرة. الجريمة لا تمحى بجريمة.

ويتفاخر بالإنذار المسبق والرسائل النصية والمنشورات. لكن القانون لا يكتفي بالإنذار، بل يشترط أن يكون فعالاً وأن يتوفر ملاذ آمن. أما إجبار الناس على النزوح مراراً داخل بقعة ضيقة محاصرة ثم قصف تلك البقعة، فهو ليس إنذاراً بل تدوير للموت.
ويذكر “الشراكة مع الأصدقاء الكبار” ليذكرنا أن القوة تقاس بعدد الفيتو الذي يحميها. دولة متهمة بجرائم حرب تجد من يمدها بالسلاح، بينما تُدان الدول الضعيفة.
اعرف أكثر
حقيقة واقعة تحرير عشيرة عراقية لسفينة مختطفة على يد قراصنة صوماليين
وهنا السؤال القانوني: هل يجوز لرئيس مطلوب لمحكمة دولية أن يقف على منبر أممي ليحاكم ضحاياه؟ في القانون، الحصانة لا تلغي المسؤولية الجنائية. في السياسة، من يملك القوة يملك الخطاب.
انتهى المشهد برجل يتحدث عن الانتصار والعالم يرى الهزيمة الأخلاقية. رجل يقول “سننتصر لأنه لا خيار لنا”، والتاريخ يهمس أن كل من قالها انتهى عبرة.
اعرف أكثر
يهود وصهاينة إسرائيل في حالة انقسام وفلسطينو الداخل يتصاعدون
في القاعة التي غادرها الكثيرون، بقي الصمت أبلغ من الكلام. الحقيقة أحياناً تغادر القاعة وتترك الكذب يتحدث لنفسه.
ويبقى سؤال أنيس منصور: هل يستطيع الجلاد أن يكتب تاريخ الضحية دون أن يرتجف قلمه؟ الجواب لا يُكتب في الأمم المتحدة، بل في ذاكرة الشعوب التي لا تنسى.
