جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟

حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟

حسين عبد القادر

فجأة تحول المجتمع المصري إلى مأتم كبير بعد صدمة النكسة في عام 67… ولكن هذا المجتمع سرعان ما اصطف لينهوض بسرعة في معركة الصبر والتحمل ليصنع عبورًا شعبيًا سبق العبور العسكري العظيم الذي سرق الأضواء للحديث عنه.. فكيف كان العبور الشعبي الذي كان قائده وبطلته الحقيقية هي المرأة المصرية؟

كنت طفلًا صغيرًا تجاوز السابعة قليلًا بعد النكسة، ولكن ما زالت ذاكرتي تحمل كل تفاصيل المشهد المؤلم من المعاناة والحرمان في الشارع والحارة المصرية…

أتذكر كيف نُضبت أرفف المحلات وخلت الأسواق من أبسط السلع التي تمثل ضروريات الحياة.. فقد رفعت الدولة شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، حيث ساد اقتصاد الحرب بحيث يوجَّه كل قرش لإعادة بناء الجيش وتدريباته.. فأصبح الاستيراد أقرب إلى المنع، وبالطبع اختفت كل السلع الضرورية والهامة من الملابس والمأكل.. وأصبح على المجتمع تدبير أموره بالاكتفاء الذاتي والتصنيع المحلي.

حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟

ما زلت أتذكر طوابير الزحام أمام المجمعات الاستهلاكية التي أصبحت الملاذ للحصول على السلع الضرورية بأسعار التسعيرة الرسمية.

وكانت الكميات مقننة بالنسبة لعدد أفراد كل أسرة.. وكان أشهر هذه الطوابير طابور الزيت، ورغم صغر سني كنت أحد رواده، كنت أحمل الزجاجة الفارغة وأنتظر مع غيري وصول الزيت في براميل، ويتم تخصيص كيلو واحد لكل أسرة بعد ساعات في الطابور.

حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟

انتشرت تربية الدواجن في عشش على أسطح المنازل والشرفات، إما للحصول على بيضها أو لحمها بعد أن أصبح شراء اللحوم رفاهية وأحلامًا عصية على التحقيق..

ونتيجة لذلك تحول الأكل المصري ليصبح في شكله العام إلى أورديحي ربما لا يعرف اللحم إلا كل شهر وربما أكثر.. وتحولت كل امرأة مصرية إلى شيف يبتكر أكلات جديدة، فهي لم تعد قادرة على الاكتفاء بالبصارة والعدس والمسقعة كوجبات رئيسية، وإنما أصبحت الطبلية تضم وجبات لكل صنف من الخضار بأشكال مختلفة؛ فالبطاطس تُقدَّم يومًا مطبوخة ويومًا آخر مسلوقة ومهروسة، أما تقديمها مقلية فكانت تقلل منه حفاظًا على حصة الزيت..

أما البطل الشعبي الحقيقي للمائدة المصرية فكان الفول، إما مدمسًا وتارة بالصلصة أو بالزيت العادي.. ولم ينجُ الفول الأخضر الحراني، فكان يقدم مسلوقًا أو يُقطَّع ويُقدَّم مطبوخًا، وربما يتم فرطه وتقديم حباته مع الأرز تحت اسم كشري الفول… حتى المكرونة ظهرت بأشكال عديدة سواء بالصلصة أو محمرة، وربما يضاف إليها السكر وقت جنون الطماطم.

حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟

وتتألق المرأة المصرية في أبهى أدوارها، فبجانب دورها في المطبخ كانت أيضًا مسؤولة عن إعداد أبنائها رجالًا في طريقهم للتجنيد والتوجه إلى جبهات القتال.. كانت هذه المرأة البطلة تتحمل كل العبء وزوجها بعيدًا هائمًا باحثًا عن لقمة العيش…

كانت أيامنا في المدرسة أحلى وأجمل لحظات العمر بفضل المدرسين البسطاء “الأبلة والأستاذ”، وهم يزرعون داخلنا في الفصل كل معاني الرجولة والفداء من خلال حكايات وقصص الأبطال.. أما عن دور الإذاعة المدرسية في تثقيفنا وبناء الانتماء وزرع الولاء للوطن داخل شخصياتنا فحدث ولا حرج.

حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟

انعكس تأثير المدرسة على سلوكياتنا فأصبحنا أكثر التزامًا وانضباطًا… هذا الانعكاس التربوي ظهر أيضًا في ألعابنا.. فقد كنا نتجمع ونطوف الشوارع والحارات بهتافات وطنية مثل: (حنحارب… حنحارب إسرائيل الأرانب)… (وموشي ديان يا ابن المرة خد جيشك وارجع ورا.. وعبد الناصر يا ابن الشجعان خد جيشك وقدم قدام)…

كان الجنود صامدين على الجبهات المختلفة، وفي ظهيرهم المقاومة الشعبية، حيث تشكلت اللجان الشعبية في كل موقع ومكان، يتدرب أصحابها على المقاومة الشعبية وحمل السلاح، بداية من طلاب الجامعات والفنانين، ليصبح الجميع جاهزًا للمواجهة مع أي معركة قادمة.

كل ما سبق يهون إلا ما تعرض له أبناء محافظات القناة الذين تم تهجيرهم إلى محافظات الدلتا والصعيد.. نعم استقبلهم أصحاب القرى وساندوهم، ولكنه الشتات يا سادة، خاصة عندما تتفرق الأسرة الواحدة بين أكثر من محافظة، وأصبح على كل أم وزوجة احتواء الحال القاسي من تلبية احتياجات الأسرة والمحافظة على الأولاد وحمايتهم في شتات الغربة.. تحملت الزوجة والأم ذلك وحدها، فقد كان رجل البيت هائمًا باحثًا عن لقمة العيش…

حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟

(هنا سيناء)…

هنا تتجسد البطولة والولاء ليمتزجا فينتجا شخصية المواطن المصري السيناوي.. كانت معاناة أبناء الوادي ترتكز على الحرمان وشظف العيش.. ولكن هنا، بجانب ذلك، وجد أهل سيناء أنهم في قلب المواجهة مع جيش الاحتلال الخسيس وأفراده الذين تجردوا من كل معاني الإنسانية..

فوجئ أهل سيناء بكارثة النكسة، وهم الذين قبلها بساعات كانوا يستعدون لاجتياح إسرائيل وإقامة أقواس النصر في العريش.. ولكنهم فوجئوا في صباح ذلك اليوم المشؤوم بطائرات العدو تهاجم الوحدات العسكرية المصرية في غزة ورفح والعريش..

حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟

كانت أصوات الانفجارات تدوي، ثم طائرات هذا العدو تحلق وتحوم فوق مدينتهم العريش دون اعتراض من طائراتنا التي اختفت تمامًا، ولا حتى من أية مضادات أرضية..

أعقب ذلك دخول قواتهم ومحاصرة المدينة، يطلبون من أهلها الاستسلام، ولكن الأهالي رفضوا وقرروا المقاومة ليسطروا ملحمة بطولية على مدار عدة أيام وهم يتصدون للدبابات ومدفعية العدو.

وجد أبناؤنا الجنود أنفسهم هائمين مشردين نتيجة تخبط القيادة وفشلها.. وكانت مجموعات الجنود الصهاينة تمسح كل مكان لتقتل من تجده من جنودنا.. وجد أهل سيناء أنفسهم أمام مسؤولية إنقاذ هؤلاء الهائمين وإخفائهم في بيوت آمنة.

حتى الأطفال تحملوا المسؤولية، كانوا يشاركون في البحث عن الجنود ثم اقتيادهم عبر دروب آمنة للذهاب إلى بيوت الإيواء الآمنة..

وكان هؤلاء الأطفال أيضًا يحملون الطعام والدواء وهم يمرون وسط تمركزات الصهاينة دون الاشتباه فيهم… وبعد أن استقرت الأمور تقلدوا مهمة تهريب هؤلاء الجنود إلى الضفة الغربية للقناة عبر الدروب الوعرة ليلًا أو بحرًا في قوارب الصيد ببحيرة البردويل ثم إلى البحر المتوسط…

حسين عبد القادر يسطر : العبور الشعبي..كيف استعد المصريون للنصر في قلب الهزيمة؟

لم تنتهِ هذه المهمة لتبدأ مهمتهم الحقيقية، ليصبحوا عيون المخابرات الحربية تنقل إليها كل ما يجري على أرض سيناء.

وكذا تحولت المحنة إلى منحة، والهزيمة إلى نصر يوم حدث العبور العظيم.

ومنذ اليوم الأول لاحتلال الأرض بدأت الاتصالات مع المخابرات الحربية والتنسيق معها لتكوين نواة فرق المقاومة ومهاجمة قوات المحتل، وكان تشكيل أول مجموعة للمقاومة في منزل الشيخ عز الدين جبريل، والد الدكتورة سهام جبريل عضو المجلس القومي للمرأة، والتي كانت أصغر طفلة لا يتعدى عمرها الثامنة وقت بدء الاحتلال، ويتم تكليفها بأعمال نقل الطعام والأدوية للجنود في البيوت الآمنة.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *