علياء الهوارى وأحمد شاهر فرغل
بناءً على المعطيات المتاحة حتى 7 مايو 2026، فالصورة العامة ليست صورة “حرب كبرى واحدة” بقدر ما هي صورة إقليم يدار بسلسلة من الردع المتبادل، والتموضع العسكري، والحروب بالوكالة، والهدن الهشة. أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس فقط احتمال الانفجار، بل أيضًا اعتياد الفاعلين على العمل عند حافة الانفجار.
ووفق نقاش بين وحدة الشئون العربية ووحدة ملفات عسكرية والباحث أحمد شاهر فرغل باحث الدكتوراه فى العلوم السياسية والاستتراتيجية والمتخصص في العلاقات الدولية، بالاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي، فكان ما تقدم من حصيلة نقاش منوعة.
مصر والإمارات والخليج
ولنبدأ بإرسال مصر مفرزة مقاتلي الرافال إلى الإمارات ودفاعات جوية للخليج، إذا قرأناه سياسيًا لا شعاريًا، يعني أن القاهرة انتقلت من سردية “عدم إخراج القوات” بوصفها مبدأً جامدًا، إلى مقاربة انتقائية: لا تدخلات برية مفتوحة ومكلفة، نعم؛ لكن انتشار دفاعي/ردعي محدود في ساحات تعتبرها مرتبطة مباشرة بأمنها القومي الاقتصادي والاستراتيجي، خصوصًا أمن الخليج والطاقة والملاحة.
أول إعلان رسمي عن تواجد قوات مسلحة مصرية في الإمارات
زيارة السيسي ومحمد بن زايد للمفرزة المصرية في الإمارات ومراجعة “جاهزيتها” تؤكد أن ما جرى ليس شائعة بل تموضع معلن. كما أن القاهرة أعلنت رسميًا تضامنها مع الإمارات ودعمها “لكل الإجراءات” التي تتخذها لحماية سيادتها ومواردها.

هل هذا تناقض مع السردية السابقة؟ نعم، لكن ليس تناقضًا كاملًا؛ بل إعادة تعريف لها. السردية القديمة كانت موجهة أساسًا ضد التورط في حروب استنزاف خارجية واسعة على نمط الجيوش المحتلة أو التدخلات البرية طويلة الأمد.
أما إرسال مفرزة جوية أو قدرات دفاع جوي، فيُقدَّم رسميًا كجزء من الردع والدفاع المشترك، لا كحرب احتلال أو تدخل شامل. بعبارة أبسط: القاهرة تبدو مستعدة لإخراج “قدرات نوعية” إلى الخارج، لكنها ما زالت تتحسس جدًا من إخراج “حرب مصر” نفسها إلى الخارج، وفق التعبير.

اعرف أكثر
رغم ما تفعله..السيسي في زيارة عاجلة لأبوظبي ليؤكد: ما يمس الإمارات يمس مصر
وعن توقع، أن تواجه مصر إيران مباشرة وتتورط في حرب معها، فاحتمال الحرب المصرية-الإيرانية المباشرة منخفض، واحتمال الانخراط المصري في دعم دفاعي/لوجستي/سياسي لمعسكر الخليج أعلى. مصر لديها دوافع قوية لتجنب حرب مباشرة: الاقتصاد، هشاشة الملاحة في البحر الأحمر، أولوية حدودها الغربية والجنوبية، وحساسية الجبهة الداخلية.

لكن هذا لا ينفي احتمال أن تشارك في مظلة ردع أو دفاع جوي إقليمي إذا اعتُبر أن أمن الخليج يهدد أمن مصر المالي والاستراتيجي. تعطّل هرمز وباب المندب يضربان مصر مرتين: في الطاقة وفي قناة السويس. لذلك مصلحة القاهرة هي الردع ومنع الحرب، لا التورط في قلبها.
لماذا خرجت القوات دون مراجعة للبرلمان؟ هنا توجد عقدة قانونية وسياسية. المادة 152 من الدستور المصري تنص بوضوح على أن الرئيس لا يعلن الحرب ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين. لذلك، إن كانت المهمة قتالية بالمعنى الدستوري الصريح، فالسؤال البرلماني مشروع جدًا.
اعرف أكثر
دعتهم للتأكد قبل اتخاذ موقف: مطالبات إيطالية بإقالة رئيسة الوزراء بعد انتشار صور ساخنة لها
أما إذا صُنفت المهمة رسميًا بوصفها انتشارًا دفاعيًا، أو تعاونًا عسكريًا، أو تمركزًا للجاهزية، أو تدريبًا/دعمًا فنيًا لا “مهمة قتالية”، فغالبًا هذا هو المخرج الذي تستند إليه السلطة لتجاوز مسار التصويت العلني.
المشكلة هنا ليست فقط قانونية، بل أيضًا سياسية تتعلق بضعف الشفافية: الدولة تريد حرية حركة استراتيجية، لكنها لا تريد كلفة الجدل البرلماني أو الشعبي.

لو ربطنا ذلك باتهام السودان للإمارات وإثيوبيا بالتورط في مهاجمته، فما التقييم؟ التقييم الأرجح أن المنطقة تتحول إلى شبكة صراعات مترابطة: الخليج، السودان، القرن الأفريقي، والبحر الأحمر لم تعد ملفات منفصلة.
السودان اتهم الإمارات وإثيوبيا بتدبير ضربات مسيّرة على مطار الخرطوم، بينما نفت أبوظبي وأديس أبابا هذه الاتهامات، ورويترز قالت إنها لم تستطع التحقق مستقلًا من الأدلة السودانية.
لذا فالأرجح أننا أمام تصعيد اتهامي خطير جدًا يرفع منسوب الحرب بالوكالة، لكنه لا يرقى بعدُ إلى يقين بحرب دول مباشرة. بالنسبة لمصر، هذا الربط يزيد دوافعها للتموضع مع الإمارات والخليج؛ لأنه يرسّخ تصورًا داخل القاهرة بأن محورًا ضاغطًا يتشكل من السودان شرقًا إلى البحر الأحمر والخليج.
اعرف أكثر
معاريف العبرية تصعد لهجتها ضد مصر بعد هجوم إعلام القاهرة على تطاولات تل أبيب بعد مناورات سيناء
القمة الأمريكية-الصينية
هل القمة الصينية الأمريكية تنهي أجواء الحرب، خصوصًا في بحر الصين؟ لا. أقصى ما تفعله القمة هو إدارة التوتر لا إنهاؤه. المعطيات التي سبقت القمة تُظهر أن جدول الأعمال نفسه مثقل بالتعريفات، والمعادن النادرة، والقيود التكنولوجية، والتجارة، وأن المحللين لا يرون احتمالًا كبيرًا لاختراق استراتيجي.

تعليق رويترز الأوضح يقول إن القمة قد تحمل “مخاطر أكثر من الارتياح”، لا سيما أن أي تهدئة يمكن أن تنقلب سريعًا مع عودة أدوات الضغط والعقوبات. معنى ذلك أن أجواء الحرب قد تُخفَّف تكتيكيًا، لكنها لا تُغلق استراتيجيًا.
وفيما يخص بحر الصين الجنوبي تحديدًا، فالتقدير أن احتمالات الحرب الشاملة ليست قريبة، لكن احتمالات الاحتكاك العسكري، والأزمات البحرية، والحوادث الخطرة ما زالت مرتفعة؛ لأن أصل التنافس لم يُحل: من يضع قواعد النظام الآسيوي؟ لذلك فالمفاوضات قد تمنع الانزلاق السريع، لكنها لا تلغي منطق الصدام المؤجل.
اعرف أكثر
رسائل تهدئة من ترامب لجين بينغ قبل القمة المرتقبة رغم غموض مصير حرب إيران
الخليج: هل نحن على أعتاب حدث جلل؟
هل نحن أمام انهيار دولة خليجية أو تقسيم دولة أو اندماج دولة في دولة؟ تقديري: لا توجد مؤشرات قوية على سيناريو من هذا النوع داخل دول الخليج المركزية. الأخطر في الخليج الآن هو الاستنزاف الأمني والاقتصادي وتهديد الممرات، لا انهيار الدولة.

سيناريوهات الانهيار أو التقسيم تبدو أقرب إلى الساحات الهشة المحيطة: السودان، اليمن، وربما لبنان؛ أما الخليج نفسه فالأرجح أنه يتجه إلى عسكرة أعلى، وتحالفات أوسع، وإنفاق دفاعي أكبر، لا إلى تفكك كياني.
لبنان وإسرائيل
هل تنجح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية هذه المرة؟ إذا كان المقصود تهدئة مؤقتة وتمديد وقف النار، فهناك فرصة معقولة. أما إذا كان المقصود تسوية نهائية أو سلام مستقر، ففرصها ضعيفة.
اعرف أكثر
كل التصريحات الاقتصادية التى أطلقها رئيس الوزراء وأثار جدلا كبيرا
السبب أن واشنطن دفعت بالفعل إلى وقف أعمال عدائية وتمديده، لكن العقد الجوهرية لم تُحل: إسرائيل تريد نزع سلاح حزب الله وضمانات أمنية دائمة، بينما داخل لبنان ما زالت قوى أساسية، على رأسها نبيه بري وحزب الله، ترفض المسار التفاوضي قبل وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي. هذا يعني أن المفاوضات قد تنتج إدارة نزاع، لا حل نزاع.

القضية الفلسطينية
هل انتهى الحديث واقعيًا عن القضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية؟ القضية لم تنتهِ، لكن مشروع الدولة على الأرض يتعرض لخنق فعلي. رويترز وصفت التوسع الاستيطاني والإجراءات الإسرائيلية بأنها ضربة متجددة لفكرة الدولتين.
وبيّنت في مادة تفاعلية كيف تُجزَّأ الضفة وتُفصل مدنها وبلداتها بما يجعل الدولة المستقلة “أكثر بعدًا”. إذن: سياسيًا وأخلاقيًا ورمزيًا، القضية لم تنتهِ؛ لكن تفاوضيًا وجغرافيًا، مشروع الدولة في أسوأ حالاته منذ سنوات طويلة.
والأهم أن حتى بدائل نتنياهو لا تعِد بتحول جوهري لمصلحة الفلسطينيين. رويترز تشير إلى أن تحالف بينيت-لابيد، رغم تهديده لمستقبل نتنياهو، سيبقى في ملفات إيران وغزة ولبنان أكثر شبهًا بنتنياهو من اختلافه عنه، كما أنه غير مرشح لإحداث انعطافة كبيرة نحو الدولة الفلسطينية.
اعرف أكثر
الخارجية الإريترية تفضح الأكاذيب الإثيوبية ومحلل تيجراينى يكشف لإندكس مخطط آبي أحمد للفوضي
لذلك فالمشكلة لم تعد فقط في شخص نتنياهو، بل في اتساع مركز الثقل الإسرائيلي نحو مواقف أكثر تشددًا.

هل نتوقع انهيار نتنياهو سياسيًا؟ لا أستخدم كلمة “انهيار” بعد. الأصح أنه ضعيف ومعرّض للخسارة، لكن ليس منتهيًا. رويترز تقول إن استطلاعات الرأي تتنبأ بخسارته، وإن الحرب على إيران لم تمنحه دفعة انتخابية كافية.
كما أن منافسيه الرئيسيين توحدوا ضده. لكن رويترز نفسها تذكّر بأنه صاحب مهارات بقاء سياسي استثنائية. الخلاصة: نتنياهو في أخطر مراحله سياسيًا منذ سنوات، لكن إعلان نهايته الآن سابق لأوانه.
اعرف أكثر
قناة السويس والممرات الجديدة
هل الممرات الجديدة تنهي قناة السويس أو تقلل من أهميتها؟ لا أرى أن أي ممر جديد ينهي قناة السويس في الأجل المنظور. نعم، قد تقلل بعض المشاريع – مثل الممرات البرية والسككية – من حصة القناة في بعض السلع عالية القيمة أو سلاسل الإمداد الانتقائية، لكن القناة ما تزال المسار البحري الأسرع والأوسع بين آسيا وأوروبا.

رويترز تذكر أن قناة السويس كانت تمثل نحو 10% من التجارة البحرية العالمية قبل اضطرابات البحر الأحمر، وأن عودة الشركات الكبرى إليها حين تسمح الظروف تُعد “نقطة تحول” في التجارة العالمية. هذا معناه أن المنافسة موجودة، لكن البديل لم يهزم الأصل.
لكن في المقابل، الأحداث الأخيرة أثبتت أن ما يهدد القناة أكثر من “الممرات البديلة” هو التهديد الأمني في البحر الأحمر وباب المندب.
عندما تتدهور البيئة الأمنية، لا تُستبدل القناة بمشروع هندسي جديد فقط، بل تُعطَّل فعليًا عبر تحويل السفن حول رأس الرجاء الصالح. هذا يضع أمام مصر تحديًا مزدوجًا: الدفاع عن القناة، والدفاع عن البيئة الأمنية التي تجعل القناة قابلة للاستخدام.

السودان وإثيوبيا وباب المندب
هل نترقب حربًا بين إثيوبيا والسودان؟ الاحتمال ارتفع لكنه ليس السيناريو المرجح بعد. الاتهامات السودانية العلنية لإثيوبيا والإمارات خطيرة، وسبقها تقارير عن اتهامات سودانية بتسهيلات أو دعم عبر الأراضي الإثيوبية، لكننا ما زلنا في منطقة الحرب بالوكالة والضغط غير المباشر أكثر من الحرب النظامية المباشرة.
السبب أن السودان غارق أصلًا في حرب أهلية، وإثيوبيا نفسها ليست في وضع يسمح لها بحرب مفتوحة مريحة على جبهة جديدة. لذلك أخشى من مناوشات، ضربات غير معلنة، ورفع كلفة الصراع، أكثر من إعلان حرب تقليدية شاملة.
هل يمكن أن يُغلق باب المندب مثل هرمز؟ قانونيًا وسياسيًا ليس التطابق كاملاً، لكن عمليًا نعم، يمكن شلّه أو إفراغه تجاريًا. الدليل أن شركات كبرى أوقفت أو حوّلت مساراتها بعيدًا عن باب المندب والسويس عند تصاعد المخاطر.

الإغلاق في الممرات البحرية لا يحتاج دائمًا إلى “قرار سيادي رسمي”؛ يكفي أن تصبح كلفة المرور وتأمينه غير مقبولة حتى تتصرف السوق كأن الممر مغلق. هذا ما يجعل باب المندب أقرب ممر قابل للتعطيل العملي حتى لو لم يُغلق شكليًا.
إلى أي مدى قد تستمر الاستفزازات الإثيوبية؟ التقدير: إلى مدى طويل لكن بضبط إيقاع. إثيوبيا تبدو مصممة على تعظيم نفوذها الإقليمي وفتح أوراق ضغطها في السودان والبحر الأحمر، لكنها غالبًا ستفضّل الضغط تحت سقف الحرب الشاملة: إنكار رسمي، مرونة دبلوماسية، وحركة غير مباشرة عبر الوكلاء أو ترتيبات الميدان. هذا يجعلها مزعجة ومستنزفة أكثر من كونها مباشرة وصدامية في كل مرة.
مالي والقاعدة
هل لمحاولة إسقاط مالي في يد القاعدة رسالة أو مؤشر؟ نعم، ورسالتها كبيرة جدًا. لكنها ليست رسالة أن القاعدة “استولت على الدولة” بالفعل، بل أن الدولة في الساحل تُستنزف وتُطوَّق.

رويترز تشير إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أقامت نقاط تفتيش حول باماكو ودعت لإسقاط الحكم العسكري وإقامة الشريعة، لكنها في الوقت نفسه تنقل عن محللين أن الجماعة لا تملك القدرة العسكرية على أخذ العاصمة الآن، وأن هدفها الأرجح هو زعزعة الحكومة وتطويق المراكز الحضرية.
ومع ذلك، فالمؤشر أخطر من الحدث نفسه: هناك تنسيق غير مسبوق بين جماعات جهادية وانفصالية، واتساع لنطاق العمليات، وبيئة إقليمية تسمح بالتمدد عبر الساحل.
الرسالة الاستراتيجية هنا أن ما بعد الانسحاب الفرنسي وما بعد واغنر/الترتيبات الروسية لم ينتج دولة أكثر صلابة، بل ربما كشف فراغًا أمنيًا أعمق. وبالتالي فمالي ليست مجرد أزمة محلية؛ إنها إنذار على مستقبل الساحل كله.

وخلاصة ماسبق
فمصر لا تبدو ذاهبة إلى حرب مباشرة مع إيران، لكنها تبدو مستعدة للمشاركة في بنية ردع خليجية أوسع. السودان يتحول إلى عقدة ربط بين الخليج والقرن الأفريقي. القمة الأمريكية الصينية قد تؤجل الانفجار لكنها لا تلغيه. لبنان مرشح لتهدئة هشة لا سلام راسخ. الدولة الفلسطينية لم تمت رمزيًا، لكنها تُخنق ميدانيًا.
نتنياهو ضعيف لكنه لم يسقط بعد. قناة السويس باقية، لكن أمن البحر الأحمر هو مسألة حياة أو موت لها. وباب المندب يمكن شلّه عمليًا. أما مالي، فهي جرس إنذار بأن الفوضى في الساحل لم تعد محلية بل بنيوية وعابرة للحدود.
