وحدة الشئون الشامية
ضمن الخطاب العربي المعادى لحزب الله وإيران، وبالتالى الداعم لإسرائيل، والذي تلعب عليه إسرائيل للتقارب مع بعض العرب، ففي خضمّ ما يصفونه بحرب إيران المفتوحة على الجميع، حاولت طهران تعويض خسائرها العسكرية الهائلة عبر إشعال التوتر المذهبي في المنطقة.
ووفق التقدير اللبنانى المعادى لإيران وحزب الله، فبعد افتتاحية قتل المرشد الأعلى والصف الأول من القيادات السياسية والعسكرية، حاولت إيران احتواء الخسارة وتفادي الانهيار عبر أدوات بديلة، من خلال نقل الصراع العسكري مع إسرائيل والولايات المتحدة، إلى اشتباك مذهبي طاحن بين السُنّة والشيعة في المنطقة، وذلك عبر سلسلة ممنهجة من الأحداث التي ترمي نحو رفع منسوب التوتر المذهبي إلى أقصى درجاته.
وهذا التحوّل لم يكن عفوياً، بل جزء من استراتيجية مدروسة تهدف إلى إعادة خلط الأوراق في المنطقة. فبدل أن تبقى المواجهة ضمن إطارها الطبيعي، سعت طهران إلى تفجير ساحات متعدّدة في وقت واحد، عبر استهداف دول عربية وخليجية، في محاولة لإشعال صراع إقليمي واسع يأخذ طابعاً مذهبيًاً حاداً.

هذا المسار لم يتوقف عند حدود الاعتداء على دول سنيّة وازنة بالمعنى السياسي والمعنوي، بل امتد إلى محاولات لا تقل خطورة، تمثلت في التخطيط لاغتيال الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى جانب شخصيات دينية رفيعة في سوريا، وفق الترويجات اللبنانية المعادية لإيران.
كانت هذه المحاولة، غير المؤكّدة رسمياً لو نجحت، كفيلة بإشعال فتيل انفجار مذهبي واسع، نظراً لما يمثله الشرع من رمزية سياسية ومعنوية في البيئة السنية داخل سوريا وخارجها. غير أنّ فشلها، نتيجة تعاون استخباراتي معقّد شاركت فيه أجهزة من تركيا والمملكة المتحدة، شكّل ضربة مضادة للمخطط الإيراني، وأسهم في قطع الطريق أمام أحد أخطر مسارات التصعيد.
وحسب التقييم اللبناني، في موازاة ذلك، تحرّكت أصابع إيران في لبنان لتخدم الهدف نفسه، حيث برز دور “الحزب” المباغت الذي حاول نقل التوتر إلى الداخل اللبناني، من خلال استهداف رئيس الحكومة نواف سلام.

وكما ورد بالترويج اللبنانى المحسوب على المعسكر المضاد لحزب الله، فلم يكن هذا الاستهداف عاديًا أو عفويًا، بل جاء عبر حملة ممنهجة ومركزة جمعت بين الاستعراضات الشعبية والخطاب التخويني، وصولًا إلى التلويح باقتحام المقر الحكومي لإسقاطه، توازياً مع تحركات وشعارات مستفزة في شوارع بيروت، لا سيما الأحياء المتنوعة والمتداخلة مذهبيًا، وهذا بطبيعة الحال لم يكن تصرفًا فرديًا، بل قرارًا مركزيًا يصب في إطار رفع منسوب التوتر.
اللافت في هذه الحملة أنها ركّزت على رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام دون سواه، في مؤشر واضح إلى محاولة استهداف الموقع السني الأول على السلطة التنفيذية، ودفع الشارع إلى رد فعل انفعالي قد يفتح الباب أمام صدام داخلي. إلا أن هذه المحاولة اصطدمت بواقع مختلف تمامًا عمّا كانت تتوقعه الجهات التي تقف خلفها.
بالتوازي، شهد العراق تحركات مشابهة ومتزامنة من قبل بعض الميليشيات المرتبطة بإيران، تمثلت في الاعتداء على القنصلية التابعة للكويت، في خطوة بدت كجزء من خطة مركبة تهدف إلى توسيع دائرة التوتر المذهبي، وإدخال مزيد من الدول العربية إلى قلب المواجهة.

غير أنّ هذا المشروع، على امتداد ساحاته، اصطدم بسلسلة من العوامل التي حالت دون اكتماله. أول هذه العوامل تمثّل في سلوك الدول العربية المستهدفة، التي اختارت، على عكس ما كان متوقعاً، انتهاج سياسة ضبط النفس إلى أقصى حد ممكن.
فقد أظهرت هذه الدول، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، قدرة عالية على استيعاب الضربات دون الانجرار إلى ردود فعل انفعالية، مع إدراك عميق لطبيعة الاستراتيجية الإيرانية القائمة على جرّ المنطقة إلى صراع مذهبي شامل.
ووفق التقدير اللبناني، ففى خضمّ حربها المفتوحة على الجميع، حاولت إيران تعويض خسائرها العسكرية الهائلة عبر إشعال التوتر المذهبي في المنطقة.

هذا الإدراك انعكس في اعتماد مقاربة دفاعية – استيعابية، ركّزت على احتواء الهجمات دون توسيعها، وعلى تجنّب أي خطوات قد تسهم في رفع منسوب الاستقطاب المذهبي. وهو ما أفقد الخطة الإيرانية أحد أهم عناصرها، أي القدرة على إشعال ردود فعل مقابلة تغذّي التصعيد.
العامل الثاني تمثّل في فشل محاولة اغتيال أحمد الشرع، وما رافقها من موقف حازم اتخذه الرجل نفسه، تمثل في رفض الانجرار إلى أي مواجهة عسكرية مع “الحزب” على الحدود اللبنانية السورية، رغم الضغوط الكبيرة التي مورست عليه.
هذا الموقف لم يكن تفصيلًا، بل شكّل عنصراً حاسماً في منع توسّع الصراع، إذ إن دخول سوريا في مواجهة مباشرة كان كفيلًا بإشعال المنطقة على أسس مذهبية.

عزّز الشرع هذا التوجه عبر طلب دعم سياسي من السعودية وتركيا، بهدف الضغط على الولايات المتحدة لمنع الانزلاق إلى هذه المواجهة، في خطوة تعكس وعياً عميقاً بخطورة المرحلة، وبالأهداف الكامنة خلف محاولات التصعيد.
أما العامل الثالث، فكان في الداخل اللبناني، حيث أظهر الشارع السنّي درجة لافتة من الانضباط في التعاطي مع استهداف رئيس الحكومة. فقد بدا أنّ هذا الشارع بات أكثر وعياً لطبيعة اللعبة، وأكثر إدراكاً لمحاولات جرّه إلى مواجهة مذهبية تخدم خصومه أكثر مما تخدمه.
هذا الوعي انعكس في غياب ردود الفعل الانفعالية، وفي عدم الانجرار إلى الاستفزازات، ما أفقد الحملات التي استهدفت نواف سلام زخمها المتوقع. كما لعب سلام نفسه دوراً محورياً في احتواء التوتر، من خلال إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وتجنّب الانخراط في خطاب شعبوي أو تصعيدي مقابل.
