جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » دعاء فؤاد تسطر : كيف نتعلم من فاجعة سموحة؟

دعاء فؤاد تسطر : كيف نتعلم من فاجعة سموحة؟

دعاء فؤاد

حالة من الحزن العميق اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي بعد رحيل البلوجر الشابة، في واقعة صادمة أعادت فتح جروح قديمة في قلوب كثيرين، وطرحت أسئلة مؤلمة حول مصير النساء بعد الطلاق، وحقوق الأبناء، وحدود المسؤولية الإنسانية قبل القانونية.

لم تكن كلماتها الأخيرة مجرد عبارة عابرة، بل كانت صرخة تحمل في طياتها معاناة طويلة، حين قالت: “خد الشقة يا عمرو”، في إشارة واضحة إلى أن مسكن الزوجية كان محور نزاع قد يتكرر في بيوت كثيرة، لكنه في هذه الحالة انتهى بشكل مأساوي.

القضية هنا لا تتعلق بشخص واحد أو واقعة بعينها، بل تكشف عن خلل أعمق في منظومة تحكم العلاقات الأسرية بعد الانفصال. من يضمن للزوجة حياة كريمة بعد الطلاق؟ من يحمي الأطفال من أن يصبحوا ضحايا صراع لا ذنب لهم فيه؟ ولماذا تتحول بعض الأمهات إلى الطرف الذي يتحمل وحده كل الأعباء، بينما يتنصل البعض من المسؤولية وكأن الأبوة يمكن التخلي عنها بقرار؟

إن الحديث عن تعديل قانون الأسرة لم يعد رفاهية تشريعية، بل ضرورة اجتماعية وإنسانية. فالقانون في جوهره يجب أن يحقق التوازن، لا أن ينحاز لطرف على حساب آخر. يجب أن يكون الهدف الأول هو حماية الأطفال وضمان استقرارهم النفسي والمعيشي، ثم الحفاظ على كرامة الطرفين دون ظلم أو استغلال.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل التعديلات المرتقبة ستكون طوق نجاة للأمهات اللواتي يواجهن الحياة وحدهن؟ أم ستعيد ترتيب الحقوق بشكل يرضي الآباء؟ الحقيقة أن أي قانون لا يقوم على العدالة المتوازنة سيظل قاصرًا، لأن المشكلة في جوهرها ليست فقط نصوصًا، بل ثقافة مسؤولية غائبة لدى البعض.

وفي خضم هذه المأساة، ظهرت ظاهرة أخرى لا تقل قسوة، وهي تداول الفيديوهات المرتبطة بالحادثة دون وعي. وهنا يجب التوقف بجدية أمام هذا السلوك. فقبل أن تضغط زر “مشاركة”، عليك أن تدرك أنك قد تساهم في أذى عميق لأطفال تركتهم أمهم وهي تطلب فقط أن يُعتنى بهم.

تخيل طفلًا يكبر ليجد لحظة فقد والدته مادة يتداولها الناس، أي أثر نفسي سيحمله داخله؟ إن حماية هؤلاء الأطفال تبدأ من الامتناع عن نشر مثل هذه المقاطع، لأنها ليست محتوى للفرجة، بل لحظة إنسانية مؤلمة يجب أن تُصان.

كما أن العلم يؤكد أن هناك ما يُعرف بعدوى الانتحار، حيث يمكن أن يؤدي نشر التفاصيل إلى دفع أشخاص يمرون بظروف مشابهة إلى تقليد السلوك ذاته. وهنا يصبح كل من يشارك هذا المحتوى شريكًا دون قصد في دائرة أذى قد تمتد لآخرين. إضافة إلى ذلك، فإن نشر هذه اللحظات يمثل انتهاكًا صارخًا لكرامة الإنسان، خاصة حين يكون في حالة انهيار نفسي كامل، حيث يفقد قدرته على اتخاذ قرارات واعية.

المطلوب ليس فقط الامتناع عن النشر، بل اتخاذ موقف إيجابي، مثل الإبلاغ عن هذه المقاطع، والمساهمة في وقف انتشارها، حمايةً لكرامة المتوفاة ومستقبل أبنائها، وحفاظًا على المجتمع من آثار نفسية خطيرة.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل هذه الحادثة عن البعد النفسي، خاصة ما يتعلق بالاكتئاب. فمريض الاكتئاب لا يكون ضعيفًا كما يظن البعض، بل هو شخص يخوض معركة داخلية قاسية قد لا تظهر للعيان. يعيش حالة من الثقل النفسي، يرى فيها الحياة بلا معنى، وتتحول أبسط الضغوط إلى أعباء هائلة. ومع تكرار الأزمات، وغياب الدعم، قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها أن لا مخرج أمامه.

التعامل مع هذه الحالة يتطلب وعيًا حقيقيًا من المحيطين. فالكلمات البسيطة قد تكون فارقة، والدعم النفسي الصادق يمكن أن ينقذ حياة. لا يحتاج مريض الاكتئاب إلى نصائح تقليدية بقدر ما يحتاج إلى احتواء، إلى من يسمعه دون حكم، ويشعر به دون تقليل من ألمه. كما أن اللجوء إلى مختصين في الصحة النفسية يظل خطوة ضرورية، لأن العلاج ليس ضعفًا، بل شجاعة في مواجهة الألم.

أما التغلب على الاكتئاب، فلا يحدث بقرار مفاجئ، بل هو رحلة تدريجية تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، ثم طلب المساعدة، وبناء شبكة دعم من الأصدقاء والعائلة. كل خطوة صغيرة نحو التعافي لها قيمة، وكل محاولة للتمسك بالحياة هي انتصار، حتى وإن بدا بسيطًا.

في النهاية، تبقى الحقيقة المؤلمة أنها لن تعود، لكن السؤال الأهم: هل سنتعلم من قصتها؟ هل سنعيد النظر في قوانيننا، وفي وعينا، وفي طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض؟ إن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل هي مسؤولية مجتمع كامل، يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى القانون، وينتهي عند كل فرد يملك القدرة على أن يكون أكثر رحمة ووعيًا.

قد لا نستطيع تغيير ما حدث، لكن يمكننا أن نمنع تكراره… وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مجتمع.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *