چولى ملك
في السنوات الأخيرة اتحولت ظاهرة علم الفلك و التاروت و علوم الطاقه لأكثر المواضيع إثارة للجدل في العالم العربي بعدما ارتبط الخبراء بسلسلة من التنبؤات اللى اتقال إن بعضها إتحقق على الساحة الإقليمية والدولية. ومع كل حدث عالمي كبير سواء سياسي، اقتصادي ، أمني ، اجتماعى او حتي فنى
بيتجدد السؤال
ازاى الفلكيين دول بيقدروا يقدموا تنبؤات مستقبلية دقيقة كده ! وهل هي قراءة غيب ولا تحليل ذكي للواقع ولا تواصل ب افراد محيطه للحدث و لا حاجه تانيه
هما مش بيقدموا نفسهم كعرافين بالمعنى التقليدي و دايما بيأكدوا في معظم ظهورهم الإعلامي أنهم بيعتمدوا على “الاستشعار” و”الحدس” او قراءة حركة الكواكب ودي مصطلحات فضفاضة بتفتح الباب لتفسيرات كتير
بس المتابع المتأني بيلاحظ أن كتير من تنبؤاتهم بترتبط بملفات ساخنة احيانا زى توترات سياسية ، أزمات اقتصادية، صراعات إقليمية، أو حتى اضطرابات اجتماعية، و دى كلها قضايا بتخضع لتحليلات يومية حول العالم
هما كمان بيعملوا صياغة ذكية للنبوءة بتخليهم اوقات كتير يظهروها كتنبؤات عامة و مش متحدده بزمن و بتخليها قابلة للتأويل بأكثر من شكل و كمان مرتبطة ب احداث قائمة بالفعل و بيستخدموا مفردات مشحونة عاطفيًا لجذب الجمهور
و هنا يظهر لنا دور الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في تضخيم الظاهرة و اعادة نشر المقاطع اللي بتصيب و بتكون صح .. و بنتجاهل التوقعات الغلط . و ده بيخلق انطباع زائف بالدقة المطلقة و بيحول التنبؤ لمادة ترفيهية مشحونة بالخوف والفضول
و لما ينتشر خبر أو توقع باضطراب اقتصادي أو أزمة ، بعض الناس بتبدأ تقلق، تخزن، أو تغيّر سلوك… فيساهم ده جزئيًا في حدوث الأزمة فعلًا.
ساعتها التنبؤ مش بيكون قراءة غيب، بل محرّك سلوك.
الموضوع مش روحي بس… ده كمان بقا عباره عن سوق !
مشاهدات، إعلانات، رعايات، حفلات، قراءات مدفوعة، وقنوات يوتيوب بملايين المتابعين و قنوات فضائيه كمان
اكيد لازم نكون مستوعبين ان المنظومة كلها عندها حافز قوي للإثارة مش للدقة
التوقع الهادئ لا يُباع… لكن التوقع المرعب أو الصادم بينتشر
هى ليه الناس بتصدقهم يا تري ؟
في أوقات الأزمات وعدم اليقين، بيميل البشر بطبيعتهم للبحث عن إجابات جاهزة أو شخصيات تحسسك انها واثقة من اللى حيحصل .. و التنبؤ بالمستقبل بيمنح إحساس زائف بالسيطرة او الاستعداد او الاطمئنان لان حتى التنبؤات السلبية اللى زى الحروب أو الكوارث او الازمات بتخلي البعض يحس بالراحة لأنها بتحول الصدمة لحدث “متوقع ” مش مفاجئ
تنبؤات الفلكيين او العرافين مش ظاهرة خارقة بس هي مزيج مابين قراءة عامة للمشهد العالمي وصياغة لغوية مرنة و طبعا كمان تضخيم إعلامي و هما عاملين تسليط للضوء على النتايج الصحيحه
بس هنا يظهرلنا مشكله أساسيه و هى غياب المحاسبة اللى كلنا مش واخدين بالنا من تطبيقها ، لان مفيش معيار واضح لمحاسبة الفلكي لانهم مش بيحطوا جدول زمني محدد ولا نسبة نجاح معلنة و بننسي و نتجاهل الإخفاق
وده عكس أي علم حقيقي قائم على الاختبار والتكذيب و المحاسبه
وبين الناس اللى شايفين ان اللى بيتوقعوا توقعات و بتطلع سليمه ف اكيد عندهم موهبة فريدة و ينبهروا وبين اللى بيعتبروا اللي بيتقال و يحصل ظاهرة إعلامية و بين اللى مش مقتنعين بالظاهرة كلها ولا بالفلكيين أصلا .. بتختلف الاراء و بتفضل الحقيقة مش معلومه و مش محدده
و فى النهايه لازم نعترف ان هؤلاء الخبراء مرآة لقلق المجتمع اكتر ما هي نافذة مفتوحه لرؤية الغيب
وفي وسط كل الضجيج ده مرجعنا الحقيقي هو كلام ربنا سبحانه وتعالى اللي حسم الموضوع من غير مواربه
﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
سورة النمل – آية 65
